عن بدائل بدعة «الازدهار مقابل الحقوق»

إذا كان المال ظهيراً للغزاة وأداة من أدواتهم، فإنه يبقى رديفاً مطلوباً وربما كان حاسماً بالنسبة لمصائر حركات التحرر. قال نابليون بونابرت يوماً إن «الجيوش تزحف على بطونها». وبدورنا نحسب أن مقاومة الاستعمار تحتاج إلى ما يشد عضدها.

الشعب الفلسطيني، لا سيما تحت الاحتلال، ليس بدعاً من هذه القناعة. وعليه، يتعين الاعتراف بأن الإسناد المالي والاقتصادي، وجوداً وعدماً؛ قوة وضعفاً، هو موضوعياً أحد أهم عوامل التأثير في صلابته. وسواء بسط المانحون الدوليون أياديهم للمساعدة أم غلوها، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية مطالبة بالتأمل في الحاجات المالية والاقتصادية لشعبها، بمنظور استراتيجي يتجاوز المعالجات المؤقتة والموسمية.

من المغامرة بمكان الاعتماد على الشعارات الإنسانونية لتدفق الدعم الخارجي، غير العربي، للحالة الفلسطينية عموماً. فالنظرة المادية النفعية هي المحدد الأم في سياسات المانحين ومقارباتهم لقضايا الغوث والعون الخارجي في كل الحالات والمناسبات.

لا مبرر للاعتقاد بأن لدى الفلسطينيين عقلية استجدائية باتت جزءاً من سلوكياته.. فهذا الشعب الشهير بالجدية والنشاط وقوة التحمل واجتراح سبل الحياة في ظروف غير مواتية، سيق كرهاً إلى دائرة العوز.

وهنا ينبغي التذكير دوماً وكوسيلة للجدل مع المانحين من القوى الغربية بالذات، الذين يَمُنون على الفلسطينيين بالمنح والعون ويتوعدونهم بالمنع والمقاطعة، أنهم المسؤولون تاريخياً عن إفساد كل مناحي الحياة الفلسطينية، ودفعها إلى هذه الدائرة المقيتة. ذلك حين وقف الغرب خلف المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وأمده بأسباب القوة والاستكبار وممارسة العنصرية ضدهم.

ومؤدى هذا الوضع أن هؤلاء المانحين مطالبون تاريخياً وقانونياً وسياسياً وأخلاقياً، بتهيئة المجتمع الفلسطيني لاستئناف حياته؛ التي أفسدوا مسارها الطبيعي، وصولاً إلى إقامة دولته المستقلة.

هذا عن المحاججة مع المانحين الغربيين. أما عن المانحين العرب فقد يجدر التذكير بأن التزاماتهم القديمة والمتجددة، تستند إلى ضفيرة من المحددات والمدخلات القومية شديدة التأثير والفعالية، وإلى فيض من قرارات تم اتخاذها رسمياً من لدن مؤسسات تتدرج سمواً إلى مستوى القمم؛ التي لا معقب لكلمتها.. ويلحق بهذه الموضوعة ضرورة الإلحاح على المصادر العربية كبديل دائم لا مقطوع ولا ممنوع عوضاً عن المانحين الآخرين طراً، الذين يغمسون منحهم بشروط لا قبل للقضية الوطنية والحقوق الفلسطينية بالانحناء لها، وقد تضر بمصالح الأمة العربية بأسرها.

من الأفضل أن لا يترك الفلسطينيون نهباً لإملاءات المانحين الدوليين وإغراءات أموالهم، فيما يحيط بفلسطين ويحن إلى تحريرها واستقلالها أمة بحجم الأمة العربية. وليس يخفى أن قوام الفلسطينيين المرابطين بالضفة وغزة والقدس؛ المكشوفين في معظمهم على خطوط الفقر والفاقة، لا يزيد إلا قليلاً على الخمسة ملايين نفس.

إنهم لا يفوقون كثيراً الواحد ونصف في المائة من مجموع أمتهم العربية، أفلا يسع المئة أن تتكفل بالحد الأدنى من حاجات هذا الجزء الواقف بصلابة على ثغر كبير من ثغور الأمة؟ أوليس مخجلاً أن يقف عمال فلسطين أذلاء أمام حواجز الاحتلال، ينتظرون في برد الشتاء وحر الصيف شارة سماح لهم بالمرور لكسب عيشهم في اقتصاد إسرائيل، بل وفي بناء المستوطنات على الأرض المحتلة ومنها القدس؟! أوليس أكرم للفلسطينيين أن تفتح لهم أسواق العمل العربية، وعندئذ يردف النشاط الاقتصادي الفلسطيني في الخارج أهل الداخل وصمودهم. وهذا ينقلنا إلى البديل الذاتي الفلسطيني.

الفكرة بهذا الشأن أن الشعب الفلسطيني يمكنه ببعض الإجراءات الروتينية والاستثنائية، توجيه طاقاته وتوظيفها بالشكل الصحيح مثل: الانعطاف إلى خصائص الاستثمار عوضاً عن عقلية الاستهلاك؛ التي أوردته موارد الحاجة وتبديد بعض ما يملك وما يتلقى من عون.

تقعيد هذه المبادئ ونحوها، سوف يطمئن الاستثمارات الداخلية والخارجية، التي أجبرتها المخاوف الإدارية والقانونية، فضلاً عن وحش الاحتلال وأحابيله الجهنمية، على الاعتكاف أو الهروب. وهناك أفكار كثيرة لابد أن أهل الاختصاص في الشؤون المالية والاقتصادية يستحوذون عليها ويستطيعون الإدلاء بها في هذا المقام.


 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات