واشنطن والطريق الثالث

تحاول إيران حشر المجتمع الدولي في خيارين لا ثالث لهما، الأول هو العودة لاتفاق 5 + 1، ورفع العقوبات بالكامل عنها، وبالتالي، مواصلة إيران لبرامجها الصاروخية التي تهدد المنطقة، مع الإبقاء على أذرعها الإرهابية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وخيار إيران الثاني هو الحرب، الذي «تهرب إليه طهران» من كل مشاكلها الداخلية وعزلتها الخارجية.

لكن خيار الحرب لا يريده أحد، سواء في المنطقة العربية والخليجية، أو حتى في أوروبا والولايات المتحدة، فهل من طريق ثالث بعيد عن هذين الخيارين؟ وهل هذا الطريق الثالث، يضمن الاستقرار في المنطقة، ويبعد عنها شبح الحرب؟

قوة للردع وليس للحرب

تعمل الولايات المتحدة على شق «الطريق الثالث»، وتجنب الحرب، من خلال دفع إيران إلى مائدة المفاوضات، بعد تطبيق أكبر حزمة من العقوبات التي بدأت في 4 نوفمبر الماضي، وإدراج الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية في أبريل 2019.

ويبدأ هذا الطريق الثالث، من خلال بناء «موقف دولي موحد» ضد الاستفزازات الإيرانية بحق الملاحة والسفن التجارية في الخليج، وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها بصدد الإعلان خلال الفترة القادمة، عن تشكيل قوة بحرية من الدول المعنية، والدول التي لديها مصالح وإرادة سياسية، لتكون هذه القوة بمثابة «قوة ردع وليس قوة حرب».

وتقوم هذه النظرية على أن إيران قد تستهدف سفن دولة أو دولتين، وبعد ذلك تدعي «المظلومية السياسية»، أو تنفي مسؤوليتها عن تلك الحوادث، كما حدث في استهداف الناقلات النفطية في 12 مايو و13 يونيو الماضيين، لكن عندما تواجه «تحالفاً عريضاً»، مرشحاً أن تنضم له دول المنطقة مع دول أوروبية وآسيوية، وربما حتى دول بعيدة، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، سيكون من الصعب على إيران مواجهة مثل هذا التحالف.

نهاية «تعظيم الخلافات»

يضاعف من فرص نجاح هذه الرؤية، أن الموقف الأوروبي بات الآن قريباً جداً من الموقف الأمريكي، عما كان عليه الموقف يوم 8 مايو 2018، عندما انسحب الرئيس ترامب من خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي)، فها هي بريطانيا تعلن أنها تدرس المقترحات الأمريكية حول تشكيل قوة بحرية للدفاع عن السفن، حال تعرضها لأي خطر في الخليج، بعد تحرش الزوارق الحربية الإيرانية بالسفينة البريطانية «بريتش هيرتاج».

كما أن كل المؤشرات القادمة من العواصم الأوروبية، تقول إن الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا)، التي كانت ملتزمة بالاتفاق النووي مع إيران، باتت أكثر استعداداً للخروج من هذا الاتفاق، بعد تجاوز إيران لالتزاماتها في الاتفاق النووي، والتوقعات تشير إلى أن طهران ستزيد «مساحة التجاوزات» بحق هذا الاتفاق المعيب، بعد 7 سبتمبر المقبل.

وهو ما دفع الدول الأوروبية للتفكير في تفعيل «آلية محاسبة إيران»، الواردة في الاتفاق النووي، والتي تستمر 65 يوماً، تنتهي بإعادة فرض كل العقوبات التي كانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يطبقها على إيران قبل يوليو 2015، وكل هذا يعني نهاية وفشل «الاستراتيجية الإيرانية»، التي كانت تقوم على «تعظيم الخلافات»، و«توسيع الثغرات» بين الموقفين الأوروبي والأمريكي.

ردع متكامل

وتتفق كل الآراء الأمريكية على ضرورة تطوير «القوة البحرية» التي يجرى تشكيلها حالياً في مياه الخليج وباب المندب، إلى «قوة ردع متكاملة»، لا تقتصر على الجانب البحري والملاحي فقط، والهدف من كل ذلك، تجنب وقوع الحرب، وتعرية إيران أمام المجتمع الدولي، بأنها المسؤولة عن أي سلوك طائش، وبناء «تحالف الردع» هذا متفق عليه، ليس فقط بين الجمهوريين وإدارة الرئيس ترامب، لكن عدداً من الأسماء البارزة في الحزب الديمقراطي، تفضل هذا الخيار، بعيداً عن خيار الحرب.

وربما أفضل ما في هذا «الطريق الثالث»، أن دولاً مثل الصين وروسيا، لن تمانع في الموافقة على صدور قرار من مجلس الأمن، بشأن تشكيل قوة ردع لحماية السلام والاستقرار في المنطقة، ليكون بذلك قراراً أممياً معبراً عن الموقف الدولي، خاصة في ظل الدعوات الدائمة من بكين وموسكو، بالبحث عن طرق بديلة لمخاطر اندلاع الحرب في المنطقة.

 

 متخصص في العلاقات الدولية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات