البحث عن الملك «توت»

فجأة ظهر رأس تمثال للملك «توت عنخ آمون» المدلل دائماً بالملك «توت» في قاعة المزادات البريطانية «كريستيز» المتخصصة في بيع التحف القديمة والآثار، وكل ما يلفت نظر غريزة الاستحواذ الثمين لدى أغنياء جداً في الكون.

الحكومة المصرية استنفرت طاقاتها، وطاقات السفارة المصرية في لندن لاسترجاع الأثر المصري المسروق من مصر بطريقة أو أخرى؛ ولكن «كريستيز» استمرت في غيها وباعت الأثر على أية حال غير معلنة اسم المشتري اتقاء بقاعدة تحظر عليها إفشاء أسماء عملائها.

بدأت قضية قانونية بين مصر والمملكة المتحدة، وبين مصر وصالة «كريستي»؛ والدفوع، والدفوع المضادة، سوف تمضي في مسارها القانوني الذي تستند فيه مصر ليس فقط لقوانينها الخاصة وإنما لقوانين وقواعد حددتها «اليونيسكو» والمؤسسات الدولية ذات الصلة بسيطرة الدولة على آثارها وممتلكاتها الثقافية. فرأس الملك «توت» ليست مجرد قطعة من الحجر وإنما هي جزء من تاريخ مصر، وأكثر من ذلك من هويتها. وفي الدورة الاثنين والثلاثين لكأس الأمم الإفريقية المنعقدة في القاهرة هذه الأيام اختارت مصر الملك «توت» لكي يكون أيقونة الدورة وطوطمها المتحرك واللاعب في كل الأوقات.

هناك أسباب كثيرة جعلت الملك «توت عنخ آمون» من بين كل ملوك الفراعنة شخصية مثيرة رغم أنه مات صغيراً، ولم يعرف له دور كبير في التاريخ المصري الفرعوني الذي استمر لثلاثة آلاف عام.

ما أعطاه هذه الأهمية التاريخية هو أن اكتشاف مقبرته عام ١٩٢٢ كان الاكتشاف الأعظم في تاريخ الاكتشافات الفرعونية المنظمة على مدى قرابة قرن سابق حيث كانت المقبرة كاملة غير منقوصة لا ينقصها شيء من بهاء وثروة. وكانت التأكيد الباهر على ما يملكه المصريون من تاريخ يعود إلى ما قبل خمسة آلاف عام.

كانت ثورة ١٩١٩ المصرية قد انتهت تواً وقادت إلى استقلال مصر مملكة ودولة وراح المصريون يعبون من تاريخ طويل وهوية لبلد تداوله الغزاة وبات عليها الخلاص من آخر المستعمرين: الإمبراطورية البريطانية.

عاد الطراز المعماري الفرعوني إلى البناء المصري مرة أخرى، ومعه تطورت قطع الأثاث لكي تأخذ أشكالاً فرعونية، وتدريجياً باتت السياحة إلى الآثار المصرية القديمة حديث العالم، وكانت شركة «كوك» البريطانية قد بنت ثروتها على زيارة الأوروبيين للآثار المصرية.

وللعجب فإنه حتى مطلع القرن التاسع عشر كان التاريخ المصري القديم قد اندثر من الذاكرة المصرية، وباتت المعابد والأهرامات والتماثيل جزءاً من تاريخ غابر أو «مساخيط» كتلك التي تحولت من بشر إلى حجر في قصص السحر والعفاريت القديمة.

كان القنصل الفرنسي في الإسكندرية هو الذي نبه الوالي محمد علي إلى ضرورة سن قانون يحمي الآثار المصرية، واستناداً إلى هذا القانون فإن كل القطع الأثرية المصرية على أرض مصر باتت ملكية عامة للشعب المصري، ويحق للحكومة المصرية استعادتها.

الآن كما جرى في وقائع كثيرة قبلها، وأشهرها رأس الملكة «نفرتيتي» (زوجة أخناتون الذي آمن بإله واحد) التي تتوج متحفها في برلين، فإن الحكومة المصرية لن تألو جهداً من أجل استعادة رأس الملك «توت». ا

لمسألة كما ذكرنا في جوهرها هي أنها جزء هام من الهوية المصرية التي تجعل المصريين مصريين في عصر باتت فيه «الهوية» من أهم أبعاد الشخصية القومية لبلد ما. وبعد أن باتت بداية القرن الواحد والعشرين إعلاناً عن زمن «العولمة» التي يصبح فيها العالم معبراً عن شخصية وهوية واحدة تحت شعار «الإنسانية»، فإن العقد الثاني من الزمن الحالي أصبح عنوانه «السيادة» و«الهوية» و«الشخصية الوطنية والقومية.

وفي مصر حيث »الهوية« تعبر عن مركب من الهويات وصفها الدكتور ميلاد حنا بأن لها أعمدة سبعة فيها الفرعونية والقبطية والعربية والإسلامية والإفريقية والمتوسطية والحديثة فإن الأولى كانت هي أصل البناء الحضاري المصري؛ وحسب قول «بريستيد»، فإنها شهدت «مولد الضمير»؛ مثل هذا لا يباع في صالة مزاد!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات