حين يتحول التاريخ إلى قضية انتخابية

الجدل الدائر حالياً في حملة الرئاسة الأمريكية بخصوص واحدة من تجليات الكفاح ضد الفصل العنصري له قصة تستحق أن تروى، لأنه يخص قضية لا تزال حتى اليوم شديدة الحساسية للبيض والسود على السواء.

فقد هاجمت مرشحة الرئاسة كامالا هاريس سجل جوزيف بايدن، نائب الرئيس السابق، لأنه عارض، في السبعينيات، نقل التلاميذ، البيض والسود، بالباصات من مدرسة لأخرى بهدف القضاء على الفصل العنصري في المدارس.

فجوزيف بايدن كان عضواً بمجلس الشيوخ منذ 1973 وحتى توليه منصب نائب الرئيس عام 2009. وهو منذ ترشح للرئاسة هذا العام، ظل متصدراً استطلاعات الرأي، بينما تراهن حملته على أصوات السود، كونه كان نائباً لأوباما.

وقصة نقل تلاميذ المدارس بالباصات قصة محملة بالمرارات. فأولى إنجازات الكفاح ضد الفصل العنصري كان قرار المحكمة العليا الشهير الصادر في 1954، والذي اعتبرت فيه المحكمة، لأول مرة، أن الفصل العنصري غير دستوري، وأمرت بدمج البيض والسود بالمدارس العامة «بأقصى سرعة ممكنة».

لكن قرار المحكمة واجه معارضة شديدة من جانب البيض، كثيراً ما وصلت لاستخدام العنف أو منع الدمج بالقوة، مثلما فعل حاكم ولاية أركنسا عام 1957، حين استدعى الحرس الوطني للولاية لمنع تسعة من التلاميذ السود بالقوة من دخول مدرسة ثانوية للبيض. وهو الأمر الذي دفع الرئيس أيزنهاور لإرسال قوات فيدرالية تصاحب التلاميذ حتى الفصول.

وقد ظلت المقاومة شديدة على مدار عقدين، حتى وصل الأمر من جديد للمحكمة العليا، فسعت لإيجاد حل لاستمرار الفصل، الذي اعتبرته انتهاكاً لقرارها الصادر في 1954.

فقضت في 1971 بنقل التلاميذ بالباصات بين المدارس ذات الأغلبية البيضاء والأخرى ذات الأغلبية السوداء، لينتهي الفصل العنصري في كليهما. وقد كانت تلك الخطوة أكثر إثارة للجدل من قرار 1954 نفسه. إذ وجد القرار مقاومة شديدة ليس فقط من جانب البيض وإنما من جانب الكثير من السود أيضاً.

أما البيض، فكان منهم من يرفض الاختلاط بالسود بالمطلق، ومنهم من رأى أن جلب تلاميذ سود لمدارس أبنائهم يضعف المستوى التعليمي لها لأن التلاميذ السود يأتون، بسبب العنصرية، من مدارس فقيرة محدودة الإمكانات عاجزة على القيام بمهامها بنجاح.

وبالمقابل، سود كثيرون رفضوا نقل أبنائهم لمدارس ذات أغلبية بيضاء، لأنهم وجدوا في ذلك مخاطرة بأبنائهم عبر الإلقاء بهم في أجواء معادية سواء في صورة عنف من زملائهم البيض أو تمييز من جانب هيئات التدريس والإدارة. ورأوا أن العناية بمدارس السود، مثلما تتم العناية الشاملة بمدارس البيض، هو الحل الأفضل بالمقارنة بنقل أبنائهم لبيئة معادية لهم بسبب لون بشرتهم.

وقد نتج عن معارضة البيض الشديدة للنقل بالباصات أن نشأت ظاهرة عرفت «بفرار البيض» من المدارس العامة للمدارس الخاصة، وهو ما انخفضت على إثره مباشرة العناية بالمدارس العامة التي صار يرتادها السود والأقليات.

وبسبب المقاومة الشديدة من البيض والسود، فشلت تجربة نقل التلاميذ بالباصات. لكن الأخطر هو فشل عملية إنهاء الفصل العنصري نفسها حتى اليوم. ففي تقارير أمريكية حكومية العام الحالي، تبين أن غالبية التلاميذ السود بالولايات المتحدة يتعلمون بمدارس أكثر من 75% من طلابها من غير البيض، بينما يتعلم البيض في مدارس غالبيتها منهم أيضاً.

ولأن النقل بالباصات لقي مقاومة من السود، فلا يتصور أن يخسر بايدن بسببه أصواتهم. إلا أن الطريقة التي دافع بها الرجل عن نفسه عندما هاجمته كامالا هاريس، هي التي تسببت، في تقديري، في خسارته فوراً في استطلاعات الرأي.

فهو برر معارضته قائلاً إنه لم يكن ضد النقل بالباصات في ذاته وإنما ضد تولي الحكومة الفيدرالية الأمر. وتلك تحديداً مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للسود. فالحكومة الفيدرالية ظلت تاريخياً، وحتى اليوم بالمناسبة، تتدخل لمنع حكومات الولايات من التمييز ضد السود.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات