الإعلام والحلقة الأضعف

من ضمن الأفكار التي طرحت في منتدى الإعلام الإماراتي، خلال مايو الماضي، تطوير المحتوى الإعلامي وضرورة التخلي عن الأفكار النمطية وكسر القيود القديمة لإثراء المشهد الإعلامي، ومن عندي أزيد، ومواجهة الإعلام المعادي أو المنافس.

تشهد الساحة الإعلامية في العالم ومنطقتنا تغييرات كبيرة في ناحية التأثير وتوجيه الرأي العام تجاه قضايا معينة مع اختلاف نوعية تلك القضايا ففي الغرب القضايا الإنسانية والتنموية ربما تطغى أكثر، بينما في منطقتنا تكون القضايا السياسية والخلافية هي الأبرز.

ورغم أن إعلامنا يواكب تلك التغيرات بشكل مستمر ودائم إلا أن الشيء الذي يبدو أن الجميع يتفق عليه هنا، حتى من غير الإعلاميين، هو أهمية التخلص من أدبيات الإعلام المحافظ أو ما يعرف بالإعلام النمطي والانتقال بمحتوى هذه الوسيلة المهمة والخطيرة إلى مفردات إعلامية ولغة هي الأكثر قرباً من الشريحة المستهدفة والأكبر في المجتمعات العربية والعالمية وهي الشباب، التي بات لديها لغتها للتفاهم.

قد تعني هذه المطالبة لدى البعض دعوة إلى ابتذال اللغة الرصينة للإعلام التي تميزت بها بعض الصحف ووسائل الإعلام خاصة وأن هناك معاناة في صحة اللغة المستخدمة لدى الجيل الحالي، غير أنه إذا وضعنا في اعتبارنا عاملين مهمين يفرضان علينا تقبل منطقية هذا الطرح فإننا قد نتقبلها وهذان العاملان هما: بما أن الشريحة المستهدفة لرسالتنا هم الشباب الذين بات لديهم لغتهم الخاصة فكي أضمن متابعتهم لي لا بد من مخاطبتهم باللغة التي يمكن أن يتعاملوا بها وإلا سيكون توجههم إلى مصادر إعلامية أخرى بعضها لا تنوي لنا خيراً.

العامل الآخر، أن الإعلام لم يعد وسيلة ترفيه وتثقيف كما كانت قبل فترة زمنية بسيطة بل هي اليوم بجانب أنها «سلطة رابعة» يفترض أنها تقوم بمراقبة العمل الداخلي فإنها جزء من الأمن الوطني للدول وهو أحد أدوات حرب وقتال بين الدول ولعل ما يفعله الإعلام التابع لتيار «الإخوان المسلمين» وتركيا ضد دولة الإمارات والسعودية خير مثال، وعليه فإن عدم تغيير لغة المخاطبة يكون الأمر بمثابة السباحة عكس التيار.

إن قواعد اللعبة الإعلامية تغيرت منذ أن دخلت جمهورية «الفيس بوك» وأخواتها من وسائل التواصل الاجتماعي إلى عالم الإعلام، وبانت تأثيراتها الحقيقية خلال فترة «الفوضى الخلاقة» حيث فرضت واقعاً جديداً دفع إلى التفكير في أدوات جديدة لمواكبة تغيرات المستقبل وإلا خسرت الدول ظهيراً استراتيجياً مهماً في دفاعها عن دورها القومي والوطني والذي تؤديه بكل مسؤولية من خلال مواجهة التحديات في الملفات الإقليمية والدولية، والذي يفهمه قاصرو الإدراك والفكر من أبناء دولها في حدود ضيقة وحسب أجندات عابرة تبثها وسائل إعلامية موجهة.

أعتقد أن أزمة إعلامنا العربي ترجع إلى وجود فجوة في طريقة فهم الأدوات الحاكمة للعالم الجديد القائم على الأجواء المفتوحة لتناقل المعلومات، بحيث مازال هناك محتوى إعلامي يخاطب الداخل ويتم التركيز فيه على إبراز الإنجازات التي تحققها المؤسسات وإعلام مخصص للإعلام الخارجي فكرته تقوم على بث محتوى ترويجي مع أن مفهوم الإعلام الداخلي والإعلام الخارجي قد ألغي أو بالأحرى ألغته السماوات المفتوحة بالإضافة إلى تغييب كامل لمسألة الدفاع عن الدولة والاشتباك مع الإعلام المعادي، كما أن الأزمة تتمثل في عامل السبق الإعلامي الذي ينبغي ألا نتجاهله، لكن ليس على حساب الموضوعية ودقة المعلومة، لأن الصورة الذهنية التي تبنى عن الموقف تلتقطها اللحظة الأولى للخبر المدعوم بالتحليل وما يتبعه بعد ذلك يكون من أجل تعديلها والتصحيح أو الدفاع.

إن تراجع الإعلام عن تغيير نمطيته في الطرح وكذلك الابتعاد عن الجرأة في الطرح وسيطرة الخجل الإعلامي علينا في مواجهة إعلام مؤدلج يعزز التهمة الشائعة أنه الحلقة الأضعف في العمل الوطني.

فالمأمول إعلام يتسق مع القفزات الدبلوماسية الكبرى لدولة الإمارات في العديد من الملفات الاستراتيجية في العالم، وإعلام حيوي لديه القدرة على الدفاع عن الدور القومي والوطني ضد أجندات ومشاريع سياسية في الإقليم والعالم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات