تركيا لن تنجح في إلغاء لوزان

توظف تركيا شهر يوليو من كل عام للحديث عن اتفاقية لوزان التي وقعتها الدولة العثمانية لرسم حدود تركيا بزعامة مصطفى كمال أتاتورك في 23 أكتوبر عام 1923، وتدعي أنقرة أن تلك الحدود فرضت عليها في وقت الضعف، ويجب التخلص منها والعودة إلى حدود ما قبل اتفاقية لوزان لتعيد سيطرتها على بلاد المشرق العربي وشمال أفريقيا والجزر اليونانية وقبرص وحتى بعض المناطق في البلقان، وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة لليونان إن اتفاقية لوزان تحتاج إلى «تحديث»، وأن تركيا تملك «صك ملكية الشرق الأوسط» فهل هذا يفسر السعي التركي للسيطرة على الأراضي العربية في ليبيا والعراق وسوريا ؟ وإلى أي مدى ستواصل أنقرة التنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية رغم الإدانات الدولية، وتهديد الاتحاد الأوروبي بفرض سلسلة عقوبات اقتصادية عليها؟

الليرة الموصلية

البداية كانت عام 2011 عندما أعلن أردوغان ما أسماه رؤية 2023 والتي تتزامن مع مرور 100 عام على توقيع اتفاقية لوزان في23 يوليو 1923، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الحديث التركي «العلني» عن الأطماع في الأراضي العربية ودول الجوار العربي والأوروبي، وخصصت تركيا بنداً في ميزانيتها لمحافظة الموصل والتي يطلق عليها «الليرة الموصلية» تمهيداً لعودة الموصل وكركوك لتبعيتها كما تتوهم أنقرة، حيث تقول تركيا إن المدينتين كانتا ضمن أملاك السلطان عبد الحميد الثاني، وأنها خسرتهما بموجب هدنة مودروس 1918، ولذلك أرسلت تركيا قواتها لشمال العراق بعمق 250 كيلومتراً، وتتمركز الآن في معسكر «بعشيقة»، كما تسيطر على أراض شاسعة من شمال سوريا، بالإضافة إلى احتلال 40 ألف جندي تركي شمال جزيرة قبرص، كما تدعي أنقرة تبعية جزر إيميا اليونانية في بحر إيجه.

هذه المزاعم التركية ليس لها مثيل في العالم، فالمملكة المتحدة وفرنسا وأسبانيا والبرتغال كانت تسيطر على أراض لا تغيب عنها الشمس، و لا تطالب هذه الدول للعودة للدول والأراضي التي كانت تحتلها من قبل، كما أن«نص» اتفاقية لوزان لا يوجد به أي حديث من قريب أو بعيد عن وجود تاريخ لانتهاء الاتفاقية ولا إمكانية حصول تغيير عليها بعد 100عام، وما يؤشر على خلافات قادمة بين تركيا وكل المجتمع الدولي أن أردوغان يخطط لوقف العمل بالنظام الحالي «لمضيق البوسفور» الذي يربط بين البحر المتوسط والبحر الأسود بحيث تفرض تركيا رسوماً على عبور السفن للمضيق، وهو ما يتعارض مع اتفاقية مونترو التي وقعت عليها تركيا عام 1937، كما يتعارض مع اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار 1982.

وفي ليبيا تدعي تركيا أن هناك من هم من أصول تركية ينتظرونها في طرابلس ومصراته حيث قال عنهم أردوغان «هناك من ينتظرنا في الشرق الأوسط منذ 100 عام»، وهذا يفسر أن الدعم التركي للميليشيات الإرهابية ليس من أجل ليبيا أو شعبها بل لتمكين الجماعات الظلامية والتكفيرية لتكون ذراعاً للأطماع التركية في ليبيا.

القلب العربي الصلب

لقد شكلت أحداث ما يسمى «بالربيع العربي» رافعة سياسية لتحقيق الأطماع التركية في المنطقة العربية لكن ثورة 30 يونيو 2013، ودول «القلب العربي الصلب» وقفت بالمرصاد لتلك الخطط التي كانت تهدد «وجود» عدد كبير من الدول العربية، كما أن محاولات تركيا للتنقيب عن الغاز والنفط في المياه القبرصية تواجه برد حاسم من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة والدول المطلة على البحر المتوسط، وباتت تركيا خارج حسابات النفط والغاز في البحر المتوسط لأنها لم تكتشف أي شيء حتى الآن في مياهها الإقليمية، وتجابه محاولتها للسيطرة على ثروات الآخرين بقوة من المجتمع الدولي، وفشلت كل محاولات أنقرة «لتأزيم» منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، لأن أوروبا تراهن على الاستفادة من غاز المنطقة، فالاتحاد الأوروبي هو من قام بعمل دراسات الجدوى لدراسات توصيل غاز المتوسط لأوروبا، كما أن شركات الاستكشاف التي تعمل في المنطقة تابعة لغالبية القوى العظمى في العالم، فهناك الشركات الأمريكية والروسية والبريطانية بجانب الشركات الفرنسية والإيطالية وهو ما يجعل مواجهة تركيا لكل هؤلاء «انتحاراً سياسياً» وأن التفكير في إلغاء اتفاقية لوزان وهم لا يمكن تحقيقه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات