العار والهروب من المسؤولية

قرأت ذات يوم نص محادثة شهيرة نشرتها صحيفة إيطالية لمسؤول في أحد المرافق الإيطالية، وربان سفينة سياحية عملاقة جنحت عن مسارها، عقب ارتطامها بحاجز صخري أدى إلى غرقها، حيث كانت تقل نحو 4229 شخصاً، على غرار فاجعة سفينة التايتانك الشهيرة. كان المسؤول يقول للربان بحدة «سكيتينو: أنصت إليّ. هناك أشخاص محتجزون على متن السفينة، أريد منك أن تصعد أحد قوارب النجاة، وتدخل تحت مقدم السفينة على الجانب. اصعد إلى متن السفينة، وانقل لي عدد الأشخاص الموجودين هناك. هل هذا واضح؟ أنا أسجل هذه المكالمة كابتن سكيتينو».

وعندما تردد الربان في الرد، وتحدث عن «ميلان السفينة حالياً على جانبها»، شدد مسؤول المرفأ: «أنا أدرك ما تقول، هناك أشخاص يهبطون السلم على مقدم السفينة، عد إلى السفينة وأخبرني عن عدد الأفراد الذين لا يزالون هناك، وماذا لديهم على السطح، هل تسمعني؟ أخبرني هل هناك أطفال ونساء، وأي نوع من المساعدة يحتاجونه، وأخبرني بعدد كل فئة من هؤلاء، هل تسمعني؟ استمع إليّ يا سكيتينو، قد تكون قد أنقذت نفسك من البحر، لكني سأضعك في موقف غاية في السوء، سأجعلك تدفع ثمن هذا». هذا النص الذي نشرته الصحيفة الإيطالية، وأثار ضجة كبيرة، بعدما تبين أن ربان السفينة قد لاذ بالفرار، تاركاً وراءه ركاباً وأطفالاً ونساءً عالقين فيها.

ما فعله قبطان السفينة ليس أمراً عادياً، فكيف يمكن أن يهرب القيادي تاركاً وراءه ركاباً أبرياء يلقون حتفهم. وقد حدث الأمر نفسه، عندما قفز الكابتن العربي في مياه بحر العرب، ليترك الركاب يواجهون مصيرهم المحتوم في قصة شهيرة أثارت الرأي العام! حتى في عرف الطيران، يجب أن يكون الكابتن آخر الخارجين من الطائرة، ليؤمّن خروج الجميع.

من أبجديات القيادة، تحمل المسؤولية، وهي عبء كبير يثقل كاهل المرء. ولمن جرب لحظات اتخاذ قرارات مصيرية، يدرك أن قيادة الناس ليست ترفاً أو تسلية. فعقل القائد الحقيقي يعتمل فيه يومياً أفكار، وهموم من قرارات سابقة، وغموم تساوره من تحديات أو تداعيات مستقبلية على قراراته. ولذا، تقول العرب «همّك ما أهمّك»، أي ما أحزنك في السابق. ومنها جاءت «الهمهمة، أي ترديد الكلام في الصدر». أما الغمّ، فهو كل ما نخشى وقوعه مستقبلاً. ولذا، قالت العرب «غمّ الهلال على الناس، إذا ستره عنهم غيم أو غيره فلم يُرَ»، وفق قاموس «مختار الصحاح». هذا المعنى يتفق مع الحادثة الشهيرة التي وكز فيها سيدنا موسى شخصاً، فقتله عن غير عمد، إذ قال تعالى «وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً»، وهي كلها أمور مستقبلية تشغل القياديين. فالقائد ليس مشغولاً في المستقبل فحسب، بل هو يعيش تحت وطأة هموم قراراته الماضية، وذلك عبء مضاعف.

القيادة ليس «بزنس كارد» تتباهى به في اجتماعات العمل، وليس منصباً تتفسح لك المجال بسببه، بل هو شهامة ومروءة تحمل المسؤولية عن اتباعك أو مرؤوسيك. وقد سمعت بأذني رئيساً تنفيذياً في شركة لم توفق في جني الأرباح المتفق عليها مع مجلس إدارتنا، فقال لنا الرئيس بثقة وقناعة راسخة: ألغوا مكافأتي السنوية، ووزعوها على كل الموظفين. فكان شجاعاً في تحمل المسؤولية، حتى على حساب جيبه الخاص. ونرى على مدار الساعة حولنا النقيض ممن يفكر في نفسه، ويضرب بعرض الحائط مصالح الناس. ويا له من عار.

والعار لغة، كل ما يعاب به الإنسان من قول معيب أو سلوك مشين ارتكبه. ولذا، من العار أن تُقَلَّد منصباً قيادياً فتهرب من تحمل المسؤولية!

 

ـــ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات