العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إذا تكلم أطرق جلساؤه

    ثارت قبل أيام قضية رأي عام شغلت شريحة كبيرة من الناس في الكويت، وانقسموا ما بين مؤيد ومعارض. وفي إحدى الديوانيات «مجالس الرجال»، وفي ظل زحمة «النقاشات العقيمة» حاولت أن أدلي بدلوي ولكن من دون جدوى. لا أحد يريد أن يلتفت إلى أحد، كلٌّ يريد أن يفرغ ما في جعبته من آراء، وحقائق مشوهة، عن ذلك الشخص «المتهم اجتماعياً». فقررت أن ألجأ إلى استراتيجية أخرى ألفت فيها الأنظار فقلت بصوت مرتفع: هل «ممكن أخبركم ماذا قال لي الشخص نفسه» عن هذه الاتهامات؟ التفت نصف الحاضرين إليّ، لكنهم لم يكترثوا بي ومضوا في «حوار الطرشان». لا أحد يريد أن يسمع الحقيقة، كلّ يرغب في التعبير عما في نفسه بغض النظر عن دقة الحقائق. أمام هذا التشابك، والنقاش المحتدم، لم يتبق لي سوى التزام الصمت حتى تهدأ وتيرة «صراع الديكة»!

    وبعد برهة هدوء، عاودت المحاولة، التفت إليّ أحدهم، لكنه لم يدعني أكمل الحديث، فقاطعني بآراء وليس حقائق، ثم أكمل الباقي حفلة المقاطعة الصاخبة. جلست أقلب نظري يمنة ويسرة بين المتحاورين، لأدرك مجدداً أن من المجالس من لا يتطلع فيها البعض إلى سماع الحقيقة، ولا يحبذون تصحيح المعلومة مهما كانت خطورتها، كل ما في أمر أن المشاركين يريدون استعراض المعلومات أو تفريغ آرائهم تجاه عناوين صحافية سطحية لم يدركوا مضامينها ولا دقة النص الخبري. وأي محاولة مؤدبة لتصحيح معلومة ستجابه بعاصفة من التسفيه أو التجريح أو الاتهام بانحياز سلبي للشخص موضع النقاش.

    هذا المشهد وما شابهه في يومياتنا وبرامجنا الحوارية التلفزيونية جعلني أكتب كتاباً بعنوان «لا تقاطعني!»، وهو أول كتاب عربي من نوعه في عادة المقاطعة في الحوار. حاولت من خلاله، أن أسلط الضوء على «آفة الحوار» وهي «المقاطعة المذمومة» وغير المبررة التي لا تدع الشخص يكمل فكرته. وتطرق الكتاب أيضاً إلى طرق عدة لكيفية أو وجوب ممارسة المقاطعة المذمومة في حالات عديدة منها عندما يستأثر أحدنا بالحوار، وضربت فيه أمثلة عن كيفية سحب خيط النقاش نحونا لكي نوصل فكرتنا بسرعة ورشاقة. وضمنته دراستين عن آداب المقاطعة والحوار في البرامج الحوارية العربية ومجلس الأمة الكويتي (البرلمان)، إذ تبين لنا أن النواب يقاطعون المتحدثين بصورة مزعجة قبل أن يكمل المتحدث أفكاره، عبر جلسات مصورة تم دراستها مع فريق بحثي. والطامة الكبرى أن المذيع الذي يفترض بأنه على درجة عالية من التدريب المهني كان أكثر ممارسة للمقاطعة السلبية (غير المبررة) بنسبة 25 في المائة من الضيوف غير المدربين أصلاً. وهي نسبة كبيرة بحكم أنه كان يفترض بمقدم البرامج إلمامه بآداب الحوار وتوقيت ممارسة أداة المقاطعة المحمودة.

    دائما ما أسأل نفسي سؤالاً واحداً، هل المشكلة تكمن فينا كمتحدثين ممن نصم آذان الناس بأحاديث فارغة حتى إذا ما حان وقت ذكر شيء مهم انصرف الناس عنا، أم المشكلة في الطرف الآخر الذي لا يريد الاستماع أصلاً، لأن ما يشغله فقط تفريغ ما في جعبته. الحل الأمثل في كل الأحوال باختصار يكمن في الانتظار لحين انتهاء الجميع من الإدلاء بدلوهم، فقد يكونون عندئذ أميل إلى منحنا آذاناً صاغية. كما أن قلة الحديث تجعل أصوات مداخلاتنا لاحقاً أكثر لفتاً للانتباه باعتباره صوتاً جديداً يلج في زحمة النقاش، عادة ما تلتفت إليه الإنظار.

    كتبت مئات المقالات عن الإنصات والحوار وثلاثة كتب ودراستين، وقدمت العديد من ورش العمل، غير أنني لم أجد عبارة تلخص كل آداب الحوار والمقاطعة والإنصات سوى في هذا الحديث الجامع الذي يروي فيه الإمام علي بن أبي طالب جانباً من مشهد الحوارات في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقول: «.. وإذا تكلم (النبي) أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير (أي من شدة السكون والتركيز)، فإذا سكت تكلموا..» (أخرجه البخاري).

    ـــ كاتب كويتي

    طباعة Email