فتّش عن الصهيونية

لم يكن لجماعة الأمريكيين اليهود من دور مهم في تصعيد ترامب إلى سدة الرئاسة في انتخابات 2016، وقد تأكد أن ثلثي ناخبيها صوتوا وقتذاك لصالح منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون. ومع ذلك، لم يدع الرجل موقفاً يعبّر به عن انحيازه لإسرائيل بالمطلق، إلا أقدم عليه من دون تردد.

هذا الانحياز الذي ارتقى إلى ذروة غير مسبوقة، لم يرقق قلب هذه الجماعة تجاه ترامب وحزبه الجمهوري، حتى أن 75% من ناخبيها صوتوا مجدداً للديمقراطيين في انتخابات مجلس النواب النصفية الأخيرة.

ومما يقال في تفسير هذا التوجه، أن الأمريكيين اليهود (5.7 ملايين نسمة) ما زالوا عند موقفهم الذي يرى في ترامب، بتقديراته ومحفزاته الفلسفية والأيديولوجية الفكرية وسلوكياته العملية، تهديداً وجودياً لهم.

وأنه يعد سبباً رئيسياً في تفشي التعصّب القومي والعرقي والديني الطائفي؛ وليس أدل على ذلك من زيادة جرائم الكراهية ضدهم وضد مؤسساتهم بمعدل 37% خلال العام 2018 قياساً بالعام 2017.

مؤدى ذلك أن الرئيس الأمريكي يقارب القضايا الإسرائيلية من منطلقات وعن قناعات صهيونية، لا تتصل خطياً بأصوات الأقلية اليهودية وسطوتها الانتخابية. وفقاً لمنهج الملاحظة، يبدو هذا التصور معقولاً ومبرراً إذا علمنا أن المجتمع الصهيوني الأمريكي، هو أكثر عدداً وأوسع انتشاراً وأقوى نفوذاً بكثير، قياساً بعدد هذه الأقلية.

وتتعزز هذه المعقولية المنطقية الصورية بلغة الأرقام الصارمة، بالنظر إلى ما أثبته استطلاع للرأي أجراه «المعهد الانتخابي اليهودي» غير الحزبي في أكتوبر الماضي. وجاء فيه أن زهاء 60% من اليهود يرفضون سياسات ترامب تجاه الفلسطينيين. وعلى الرغم من تعاطفهم عموماً مع إسرائيل، إلا أن 59% منهم يعارضون بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية.

ومن حيث ترتيب الأولويات، قال 75% إنهم يهتمون بالقضايا الداخلية اللصيقة بكونهم أمريكيين أولاً، ولا يوافقون على سياسات ترامب تجاه الهجرة والضرائب والرعاية الصحية. ولديهم عموماً تحفظات سلبية عليه.

الظاهر في كل حال، أن بين اليهود الأمريكيين واليهود في إسرائيل اختلافات بينة تكبر شيئاً فشيئاً. ويرقى إلى شيء من التجافي والخصومة، بسيطرة اليهود الأرثوذكس على المجال الديني في إسرائيل، وهو «أمر لا يناسب حركة الأمريكيين اليهود الذين يغلب عليهم الطابع البراغماتي العلماني، ويجنحون إلى الحيطة والحذر من توابع ادعاء إسرائيل بوحدانية تمثيلها لليهودية العالمية.

وبلغ الغضب ببعض مدراء روابطهم حد التهديد بالتوقف عن التبرع لها».

هذه المعطيات تثير أسئلة استنكارية إزاء دعوى إسرائيل بأنها البيت القومي لليهود، وأنه يحق لها التحدث باسمهم أجمعين. بكلام آخر، ثمة ما يسترعي الانتباه إلى عناية الأمريكيين اليهود، وهم أكثر من ثلث يهود المعمورة، بالتحلل من أحد أقانيم المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين التاريخية.

نقصد بذلك مفهوم القومية اليهودية الواحدة والدولة القومية الواحدة. الأمريكيون اليهود ليسوا حقيقة ضعيفة أو هامشية في هذا السياق. إنهم جماعة وازنة يهودياً بقوة على الصعيدين الكمي والكيفي.

وحينما يجردون إسرائيل الدولة من وشاحاتها الدينية، فإنهم يطعنون بعض أهم حيثيات وجودها في الصميم. إذ لا يبقى من هذه الحيثيات سوى الأبعاد الاستعمارية الوظيفية الفجة؛ التي تمارسها في خدمة أقوام آخرين؛ أصحاب معتقدات أخرى، يطلق عليهم عموماً الصهاينة والمتصهينين غير اليهود.

هذا القصف الفلسفي العقيدي والسياسي المستعر، بين اليهود الذين حشدهم المشروع الصهيوني الاستيطاني وحشرهم في جوفه السياسي، وبين اليهود المستعصمين أكثر بهوياتهم في مواطنهم الأم، ولاسيما الأمريكيين منهم، ينطوي على عواقب بالغة الدلالة بالنسبة لمستقبل الصراع على أرض فلسطين وجوارها.

في منتصف يونيو الجاري، قالت اللجنة الأمريكية اليهودية (ايباك) إن ثلث الأمريكيين اليهود باتوا لا يعتبرون وجود إسرائيل مهماً لبقاء «الشعب اليهودي».

وفي المقابل يعتقد 20% من اليهود في إسرائيل أن «يهود الشتات» ليسوا عنصراً مهماً لوجود هذا الشعب. ويذهب 75% من الأمريكيين اليهود إلى أن مستقبل اليهود عموماً يرتبط بالبلاد التي يعيشون فيها، ويرفض 66% منهم سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.

ترى، هل يستبطن هذا المشهد المقبض بالنسبة لإسرائيل تفسيراً فارقاً، إلى جانب تفسيرات أخرى، للمحاولة التي يضطلع بها دهاة الصهاينة بشقيهم اليهودي وغير اليهودي، الرامية إلى التعجيل بطي القضية الفلسطينية؟ ربما.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات