العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مجلة الأذن العربية

    «سيداتي سادتي، نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية، للمرة الأولى في التاريخ». ربما لم يدر في خلد مذيع البي بي سي، كمال سرور، أن هذه العبارة الشهيرة، التي افتتح بها أول بث إذاعي عربي عبر البي بي سي عام 1938، بأنها كانت بمثابة الإعلان عن حقبة جديدة في مسيرة الثقافة والتعلم الشفهي للإنسان العربي.

    ففي ذلك الحين، لم تكن هناك تليفزيونات ولا إنترنت، ليعلم الإنسان ما يجري من حوله. فكانت البي بي سي هي الرافد المعرفي والإخباري المسموع. وكانت تضم إلى جانب أخبارها، برامج متنوعة: سياسية واجتماعية وأدبية وإخبارية وغيرها. وربما لا يستطيع المرء أن يتخيل أن ما يسمعه على مدار الساعة من كلام جيد، لو صف في كتاب أو مجلة، لاستوعب حجم تلك المعلومات. وهذا بالضبط ما فعلته «مجلة المستمع العربي»، التي نشرت في حقبة الأربعينيات، حيث كانت تضم بين دفتيها روائع ما بثته إذاعة بي بي سي، مثل تقارير مراسليها حول العالم، ومقالات الرأي، وبرامج التسلية الفكرية، وأحدث الابتكارات العلمية والطبية. وحسبما ذكر المستشار الإعلامي، رضا سالم الصامت، في مقال له، أن المجلة حوت زوايا متعددة، مثل «عالم الأدب، وأصحاب الرأي، ومن ثمرات المطابع، والحديث الثقافي، في ربوع بريطانيا، والتجارة والصناعة، وفي ركاب العلم»، وكان ذلك بعد أن تحول اسمها إلى مجلة «هنا لندن»، وكانت واسعة الانتشار في العالم العربي.

    وما يهمنا، هو أن المرء لو حاول تخيل حجم المعلومات التي يستمع إليها طوال عمره، فسيدرك عظيم المنفعة التي يجنيها من نعمة الإنصات إلى المعلومة. فليس كل المعلومات المهمة نجدها في كتاب، ذلك أن أعظم تجارب الناس ومعلوماتهم، لم تدون في نصوص، بل جاءتنا عبر الألسن، وهنا تبرز أهمية أن نصغي لكل شاردة وواردة، علّنا نراكم لدينا شيئاً من المعرفة المفيدة.

    عندما تقلب صفحات «مجلة المستمع العربي»، وهي نسخة مطبوعة من إذاعة بي بي سي، تدرك أن ما نسمعه من معلومات على مدار الساعة، أمر لا يستهان به. وهذا ما يفرق بين المنصت الواعي والمستمع الشارد الذهن، الذي تفوته أطنان من الأخبار والآداب والطرائف والعبر والقصص المفيدة والمسلية في الإذاعة، وغيرها من أحاديث تتناهى إلى أسماعه يومياً.

    إذا كان معدل سرعة كلام الإنسان المنطوق هو 175 كلمة في الدقيقة تقريباً، كما تشير إحدى الدراسات، فهذا معناه أن المرء يمكن أن يتحدث بصورة مستمرة (كالمذياع)، بمعدل 10,500 كلمة في الساعة (175 كلمة ضرب 60 دقيقة). ولو افترضنا أن معدل كلمات الصفحة الواحدة في كتاب هي 350 كلمة، فإن إجمالي عدد الكلمات في الكتاب يتكون من 200 صفحة، قد يبلغ 70 ألف كلمة. وهذا يعني أننا يمكن أن نسمع كتاباً كاملاً كهذا خلال 6-7 ساعات (70 ألف ÷ 10,500 كلمة بالساعة).

    لنفترض أن عُشر ما نسمعه يهمنا، أو قد يسهم في تغيير طريقة تفكيرنا نحو الأفضل، فإن الأمر يستحق محاولة الإنصات إلى ما يقال في الوسائل المرئية والمسموعة، وغيرها من أحاديث المجالس، فالحياة مثل المجلة، نتصفح معلوماتها وأحداثها، بحثاً عن ضالتنا. ولنتذكر أن لدينا أذنين وفم واحد، ربما لنصغي ضعف ما نتحدث، وهذا مصداقاً لقول الشاعر صفي الدين الحلي:

    اسمَعْ مُخاطَبَة َ الجَليسِ ولا تكن ••• عجلاً بنطقكَ قبلما تتفهمُ

    لم تُعطَ مع أُذُنَيكَ نُطقاً واحِداً ••• إلاَّ لتَسمَعَ ضِعفَ ما تَتَكَلّمُ

     

    ـــ كاتب كويتي

    طباعة Email