سبعون عاماً على جورج أرويل «1984»

ت + ت - الحجم الطبيعي

سبعون عاماً مرت على صدور رواية «جورج أرويل» «١٩٨٤» التي نشرت في عام ١٩٤٩ ومن يومها باتت مع سابقتها «مزرعة الحيوانات» التي نشرت قبل ذلك بأربع سنوات في العام الأخير للحرب العالمية الثانية هي العلامات الكبرى في التعبير عن الدولة الشمولية التي يتركب فيها القدرات الأمنية للدولة مع الأيدلوجية وانسحاق الإنسان أمام اليد الثقيلة للحزب والزعيم.

المؤلف الذي كان اشتراكياً بريطانياً شارك مباشرة في الحرب الأهلية الأسبانية (كتب فيها كتاباً «تحية إلى كاتالونيا») هاله كثيراً التجربة السوفيتية الستالينية وما جرى فيها من أهوال غياب الحرية وإخضاع المثقفين ووقوع المجتمع تحت اليد الثقيلة «للأخ الأكبر».

ولكن «ستالين» لم يكن وحده هو المثال على مثل هذه الحالة، فعند ظهور الرواية فإن التجربة الهتلرية النازية في ألمانيا والموسيلينية الفاشية في إيطاليا لم يكن قد مر عليها وقت طويل.

كان السؤال الملح دوماً هو كيف أمكن لشخصيتين قليلي الثقافة والمعرفة وبحزمة من الأفكار والكتابات السخيفة والتافهة أن يمسكا بعناق المثقفين والنخبة التي أنجبت الفلاسفة والأدباء والفنانين من أرقى ما عرفته الثقافة العالمية من فلسفة وأدب وموسيقى؟ هذا السؤال ظل دوماً ملحاً ولم تكن «١٩٨٤» وحدها في الميدان فقد سبقتها محاولات الإجابة على السؤال من ألدوس هكسلي «عالم جديد شجاع» (١٩٣٢) ولحقها راي برادبيري «فهرنهايت ٤٥١» (١٩٥٣) وغيرهم.

ومع ذلك فإن «أرويل» ظل على القمة في هذه النوعية من الأدب الذي لاحق ملاحقة «ونستون وجوليا» في إدارة الثقافة العامة من التساؤل إلى التحقيق إلى التعذيب في غطاء من المصلحة العامة، والجماعية المستبدة.

«جورج أرويل» و«١٩٨٤» عاشا بأكثر مما عاشت وذاعت غيرها من الروايات المشابهة لأنها لم تشهد فقط على «ستالين» و«هتلر» و«موسيليني» وإنما لأنها سرعان ما شهدت مباشرة على «جوزيف ماكارثي» في الكونجرس الأمريكي يمارس ذات العنف الثقافي والمعنوي على فنانين وأدباء ودبلوماسيين أمريكيين تحت راية معاداة الشيوعية.

سبعون عاماً على صدور الرواية جعلت منها توصيفاً مستمراً لحالات متكررة من «الجماعية» المستبدة التي وصفها من قبل توماس جيفرسون إبان الثورة الأمريكية بطغيان الأغلبية.

وجاء الاحتفاء بالرواية في عامها السبعيني في لحظة عالمية يبدو فيها أن النموذج الليبرالي أو اللحظة الليبرالية تترنح في مناطق من العالم ساد الظن أنها قد وصلت أخيراً إلى «نهاية التاريخ» بالانتصار التام والفوز على كل النقائض الأخرى.

العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين شهد مولد عصر «الرجال الأقوياء» الذين يقودون الصين (شاي جينجبينغ) وروسيا مرة أخرى ( فلاديمير بوتين) و«مودي» في الهند وأمثالهم في عواصم أوروبية أخرى، إما أنهم أصبحوا في قمة السلطة أو أنهم زادوا تأثيراً في المعارضة. والمؤكد أن انتخاب «دونالد ترامب» شكل نقطة فارقة في عصر جديد وضع «الليبرالية» و«العولمة» في موضع التساؤل.

أصبحت الحزمة الجديدة من السلطة قائمة على نزعة قومية متطرفة في عدائها للأجانب و«الآخر» والمنظمات والمعاهدات الدولية متعددة الأطراف الذي طالما ألحت الحضارة الغربية المعاصرة على القبول بها.

ما يجعل «أرويل» و«١٩٨٤» ملحا التطورات التكنولوجية الراهنة التي تتواتر فيها طوعاً المعلومات والبيانات عن الفرد الإنسان فتجعله طيعاً للاستغلال ليس فقط الإنتاجي والاستهلاكي بل أيضا السياسي.

يقول لويس ميناند في صحيفة «النيويوركر» (٦يونيو ٢٠١٩) إنه عندما تضغط على «أنا أوافق» على سياسات «الخصوصية» الخاصة بأحد التطبيقات فإنك في العادة لا تقرأها لأنك لا تعرف السياسات الحالية لنفس القضية ومن ثم فإن كثيراً من الحقوق تضيع في هذه الحلقة.

المؤرخ والفيلسوف يوفال هيراري في كتابه «٢١ سؤال عن القرن ٢١» يسلم بأن التكنولوجيات الحديثة تصب كلها في اتجاه أشكال عديدة من الاستبداد والمركزية السياسية التي من الصعب تجاوزها لأن الإنسان قد سلم بذلك طوعاً من ناحية ولأنه يعتقد أنه ليس لديه خيار آخر من ناحية أخرى.

طباعة Email