ماذا وراء الاحتجاجات المليونية في هونغ كونغ؟

منذ عودتها إلى الحضن الصيني سنة 1979، من بعد 150 عاماً من الاستعمار البريطاني الذي تلا حرب الأفيون سنة 1842، وموافقة بكين على تأجيرها للبريطانيين لمدة 99 عاماً، وجزيرة هونغ كونغ، التي كانت وطناً مستقراً ودرة من درر التاج البريطاني المزدهرة اقتصادياً ومالياً وسياحياً، ويتهافت عليها كل شعوب آسيا، أملاً في حياة هانئة أو هرباً من الفقر والملاحقة، باتت مسرحاً للاضطرابات والمظاهرات المتتالية.

اختلفت أسباب هذه القلاقل من فترة لأخرى، لكنها كانت كلها ناجمة عن عامل وحيد، هو عدم احترام بكين للصيغة التي فرضت بموجبها سيادتها على الجزيرة، وهي صيغة «وطن واحد ونظامان سياسيان»، بمعنى أن تكون هونغ كونغ جزءاً من الوطن الصيني الكبير، لكن مع احتفاظها بحكم ذاتي في إدارة شؤونها الخاصة، عدا الشؤون الخارجية والدفاعية، وذلك من أجل أن تستمر حياة الهونغكونغيين بالأسلوب الذي عاشوا به في ظل البريطانيين، شاملاً حقوقهم في اختيار قادتهم ومشرعيهم وحريتهم في التعبير.

المظاهرات المليونية التي خرجت في يونيو الجاري إلى شوارع الجزيرة، وقوبلت بالرد العنيف، كان عنوانها رفض مشروع قانون أقرته رئيسة المجلس التنفيذي، السيدة «كاري لام»، تسلم هونغ كونغ بموجبها المعارضين والمناوئين إلى بكين لمحاكمتهم هناك، بدلاً من أن يخضعوا للمحاكم المحلية.

لكن الحقيقة أنها أتت ضمن سلسلة من المظاهرات والانتقادات التي لم تتوقف (ولن تتوقف مستقبلاً) ضد بكين، ومن يتبعون أوامرها في هونغ كونغ منذ بدايات عودة الأخيرة إلى الحضن الصيني، وذلك في قصة طويلة، لم تـُكتب نهايتها، حتى الآن على الأقل.

البداية كانت في عام 1997، حينما اختارت بكين شخصاً لمنصب حاكم الجزيرة، مطيع لها طاعة عمياء، هو قطب الملاحة «تونغ تشي هوا»، الذي عـُرف عنه تقديمه لمصالحه الخاصة وارتباطاته التجارية مع البر الصيني، على مصالح شعبه. تلت ذلك مظاهرات عارمة في عام 2002، قادتها ما سمي بحركة المظلات الصفراء، ثم مظاهرات أخرى سنة 2014.

وتراوحت أسباب هذه الاحتجاجات ما بين اتهام بكين بمحاولة إفراغ صيغة «وطن واحد ونظامان سياسيان» من محتواها المتفق عليه، عبر تشديد القبضة الأمنية، وملاحقة النشطاء السياسيين والمفكرين والأكاديميين والإعلاميين وتكميم الأفواه، على نحو المتبع في مدن ومقاطعات البر الصيني، أو عبر التدخل في أعمال المجلس التشريعي للجزيرة، أو من خلال فرض صيغ غير ديمقراطية لاختيار أعضاء ورأس المجلس التنفيذي الحاكم، من أجل أن يكون هذا المجلس خاضعاً للحزب الشيوعي الحاكم في بكين.

إن الإجراءات التي طبقتها وتطبقها بكين في هونغ كونغ، لم تقابل بالانتقاد محلياً وخارجياً فقط، وإنما جعلت أيضاً نسبة ضخمة من أبناء الجزيرة تتبرأ من أصلها الصيني، وتنسب نفسها إلى هونغ كونغ فقط، ودليلنا هو مسح أجرته جامعة هونغ كونغ في عام 2014، على إثر قرار السلطات الصينية بالسماح بالتصويت لاختيار الهونغكونغيين لقادتهم، لكن ضمن أسماء تقررها لجنة خاصة مؤيدة لها. حيث جاءت نتائج المسح لتقول إن أكثر من 85 % من السكان يعتبرون أنفسهم هونغكونغيين، مقابل نسبة 15 % وصفت نفسها بالصينيين.

وكان هذا دليلاً قاطعاً على أن أبناء الجزيرة يعتبرون أنفسهم مميزين عن إخوتهم في البر الصيني، لجهة السلوك والتحضر والعلم والريادة. أما الاستطلاع الذي أجري في عام 2017، فقد كانت نتيجته أكثر خيبة لبكين، إذ تقلصت نسبة أولئك الذين وصفوا أنفسهم بالصينيين إلى 3 %، لا سيما في أوساط الشباب ممن تتراوح أعمارهم ما بين 18 و38 سنة.

والحال أن بكين التي منـّت نفسها بفوائد عظيمة من عملية عودة هونغ كونغ إلى سيادتها سنة 1997، لم تهنأ يوماً مذاك، وأضافت إلى أعبائها عبئاً جديداً، بل إن طريقة تعاملها مع سكان الجزيرة، إنْ استمرت على حالها، سوف تقوض ازدهار الجزيرة كمركز مالي وسياحي مدر للدخول والاستثمارات، طبقاً للعديد من المراقبين ورجال المال والأعمال. وفوق هذا، لن تثمر سياساتها هذه عن نموذج قد يغري التايوانيين يوماً ما، لقبول فكرة توحيد الصينين، الكبرى والصغرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات