رسالتان مهمتان لم تقرآ

مع كل التطورات المثيرة التي نشهدها منذ تسعينيات القرن المنصرم في جميع نواحي الحياة، والدور الهائل الذي لعبته وتلعبه تكنولوجيا المعلومات في ذلك خاصة في مجال التواصل الاجتماعي، حيث يزداد الاستغناء عن القلم وعن الورقة وعن مؤسسة البريد وطوابعها الملونة الجميلة وصناديقها التقليدية، مع كل ذلك لا تزال هناك حاجة وعلى مستوى متميز من الأهمية إلى كتابة الرسائل بالطرائق التقليدية وتسليمها ليس عبر صناديق البريد بل عبر مندوبين على مستوى عالٍ جداً.

ركزت وسائل الإعلام في سياق اهتمامها غير العادي بالوساطة اليابانية بين واشنطن وطهران على صورتين لمشهد اللقاء غير المسبوق بين رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي مع علي خامنئي في الثالث عشر من يونيو الجاري. الصورة الأولى تكشف عن مظروف موضوع على طاولة أمام خامنئي، والثانية تظهر رئيس الوزراء الياباني يجلس جزئياً فوق هذا المظروف. زيارة شينزو آبي إلى طهران هي الأولى لرئيس وزراء ياباني منذ عام 1979 تأتي في ظروف بالغة الحساسية يحمل فيها رسالة خاصة من الرئيس الأمريكي ترامب إلى خامنئي، داعياً إياه للتفاوض مباشرة لتلافي الاستمرار في الاندفاع نحو الهاوية في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

المظروف الذي يحوي الرسالة لم يفتح لأن خامنئي رفض استلامه متفوهاً بكلمات قاسية بحق الرئيس الأمريكي، حيث قال «لا أعتبر ترامب شخصاً يستحق أن يتبادل المرء الرسائل معه، ليس لدي جواب له ولن أرد عليه». لذلك استعاده رئيس الوزراء الياباني، ربما بشكل مرتبك، ليضعه إلى جانبه ليظهر بالصورة التي اصطادتها وسائل الإعلام.

هذه اللقطة المميزة تعيدنا إلى التاسع من يناير 1991 في مشهد ضم وزير الخارجية الأمريكية الأسبق جيمس بيكر مع وزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز وهما يجلسان وجهاً لوجه في قاعة بفندق الانتركونتننتال في جنيف قبل بضعة أيام من بدء عاصفة الصحراء، حيث أخرج بيكر مظروفاً صغيراً من ملفه وخاطب عزيز قائلاً «هذه رسالة من الرئيس بوش (الأب) للرئيس صدام حسين»، وطلب منه قراءتها. وبعد أن أنهى عزيز ذلك أعادها إلى بيكر رافضاً استلامها، معتبراً اللغة التي كتبت بها ليست مما يُخاطب بها الرؤساء، ورفض بيكر هو الآخر استعادتها لتترك على الطاولة ولتستقر بعد ذاك في خزانة الفندق تحت بند «متعلقات نزلاء تعاد إليهم حين الطلب».

مناسبات كهذه نادرة الحدوث، في الحالتين المُرسِل هو الرئيس الأمريكي والمُرسَل إليهما زعيمان صنفت دولتاهما في محور الشر، رسالتان لم تُستلما ولم تُقرآ، ولو حصل العكس ما كان ذلك ليغير من مآلات الأحداث.

فبعد فشل وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس موفداً من الاتحاد الأوروبي في مهمة وساطة حرص من خلالها على تعريف طهران على مدى عزلتها دولياً بإسماعها صوت أوروبا المتحفظ على سياساتها المقلقة إقليمياً ودولياً، أسمعته طهران بعد مغادرته أشد أنواع الشتم والتجريح، تفشل محاولة الوساطة اليابانية الأكثر أهمية.

فرص تلافي الاندفاع نحو الهاوية وليس نحو حافتها تتراجع كثيراً، فليس هناك من وسيط ثالث يرقى بقدراته وحجمه السياسي والاقتصادي إلى مستوى هذه المهمة بعد ألمانيا واليابان اللتان لهما علاقات جيدة مع إيران ولم يكن اختيارهما كقنوات للتوسط متأتياً من فراغ.

إجهاض خامنئي لمهمة رئيس الوزراء الياباني منذ اللحظات الأولى يكشف عن طور جديد تدخله طهران في سياق تصاعد التوتر، وهو التحدي الصريح ميدانياً من خلال تفعيل قدرات وكلائها في المنطقة. فعلى المستوى الإقليمي هناك ستة ناقلات للنفط قد أعطبت واستهدفت أنابيب نقل النفط في السعودية وعدد من مطاراتها. أما على المستوى المحلي فبدأت طهران التخفيف من بنود التزاماتها وفق اتفاقية 5 + 1 النووية فيما يتعلق بالتجاوز على الحدود المنصوص عليها سواء بزيادة كمية تخصيب اليورانيوم أو رفع نسبته وزيادة إنتاج الماء الثقيل.

ويأتي هذا التحدي بعد أن لمست طهران تخفيفاً في حدة الخطاب الأمريكي وعدم وجود نوايا آنية لعملية عسكرية واسعة، بعد أن اكتفى الرئيس ترامب بإرسال ألف وخمسمائة جندي فقط إلى المنطقة أعقبه أخيراً بألف آخر.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات