العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الكرسي.. القاتل الصامت!

    كانت فكرة الكرسي، أن تجد فيه ملاذاً للراحة من عناء يوم شاق، حتى اكتشف العلماء العكس تماماً. إذ تبين أن هذا المقعد يكمن تحته «أمراض الكرسي» sitting diseases، وهي معاناة مزمنة، مثل أمراض القلب، والسكري والسرطان، فضلاً أن كثرة الجلوس قد تؤثر أيضاً في الصحة العقلية على المدى الطويل. قرأت ذات مرة، أنه بعد الساعة الثانية من الجلوس، ينشط إفراز الكوليسترول الضار.المشكلة أن معظم وسائل الترفيه صارت تعج بالكراسي، كالمسارح، والسينمات، والحفلات، وعروض السيرك، والتلفزيون والراديو، والتطبيقات المتلفزة، مثل «نتفلكس» وغيرها، بل وحتى العروض الكوميدية المنفردة stand-up comedy، صارت تشاهد وقوفاً، كما يرمز إليه اسمها بالإنجليزية.

    وإذا كانت «نتفلكس» ستدخل السوق الهندي بسعر زهيد، كما قيل، فكم من مئات الملايين سيجلسون لمزيد من الساعات لمشاهدة برنامجهم المفضل!

    المشكلة أنك تستطيع أن تحصل على كرسي في مكان عام، أسرع من حصولك على «برادة» لشرب مياه باردة ونظيفة، أو سلة تدوير مهملات، أو قطعة فاكهة تكمل بها حصصك اليومية من الأكل الصحي.

    ولذلك، قررت أن أجعل كثير من لقاءاتي الاجتماعية أثناء ممارسة رياضة المشي، ما لم يبدد ذلك الهدف رسمية اللقاء، التي تتطلب غرفة مغلقة. والسؤال، لماذا تكون كل أوقات اجتماعاتنا الثنائية في مكاتب، لماذا لا يكون الجزء الثاني «النقاشي»، أثناء ممارسة المشي في مكان عام مكيف. فقد ثبت أن حتى الخطوة البطيئة تحرق سعراتنا، وتنقذنا من شر تفاقم الكوليسترول الضار.

    وبحسب بحث نشرته جمعية القلب البريطانية، تبين أن الناس تقضي جل ساعات اليقظة في الجلوس، إذ بلغت تسع ساعات ونصف يومياً، وهو رقم كبير جداً. وسيكون الرقم أسوأ إذا مكث أحدنا طوال أوقات الدوام (8 ساعات) في كرسيه الوثير. وبحسب منظمة «جست ستاند»، فإن 3.2 ملايين شخص يموتون سنوياً بأسباب وفاة مرتبطة بقلة الحركة البدنية. وهي بالمناسبة منظمة تحاول أن تحث البشر على التحرك، بدلاً من الخمول والبلادة.

    وقد أظهرت دراسة، استندت على بيانات منظمة الصحة العالمية، ونشرتها صحيفة الوطن السعودية، أن الخليجيين هم من أكثر الشعوب خمولاً، إذ حلت السعودية ثالثاً في القائمة، ثم الكويت سابعاً، فالإمارات تاسعاً، وفق معيار حسابي يظهر نسبة الخمول، بعد دراسة النشاط البدني المبذول. وعرف لنا فيها الباحثون سلوك الكسل أو الخمول، بتلك الشريحة من الناس التي لا تواظب على أي نوع من الأنشطة التالية، وهي: ممارسة 30 دقيقة من النشاطات الاعتيادية، كالمشي الخفيف لخمس مرات أسبوعياً، أو قضاء نحو 20 دقيقة من النشاطات التي تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً لمدة ثلاث مرات يومياً، أو دمج كل من هذين النشاطين السابقين.

    ولذلك، فإنني أكتب رؤوس أقلام مقالاتي، وبعض فقراتها، وقوفاً، أو بالأحرى مشياً، تجنباً لتداعيات الكرسي وأمراضه. عانيت من آلام عديدة، وبعد فحوصات دقيقة، في أفضل مستشفيات لندن، اكتشفنا أن السبب يعود إلى الكرسي، الذي كنت أظن أنه من أجود أنواع المقاعد العصرية.

    ولا غرابة حينما نسمع وصف العلماء، بأن الكرسي هو «التدخين الجديد»، نظراً لجسامة مخاطره على صحتنا.

    المفارقة أن من يطيل الجلوس على الكرسي، أو من يتشبث به، لا يصاب بلعنة آلامه فحسب، بل بخيبة أمل، وتذمر كل من حوله. هو يظن أن الحياة لعبة كراسٍ، لكنها في الواقع يجب أن تكون للأفضل، وليس الأسرع أو الأكثر تشبثاً فيه. وربما كان في أمراض الكرسي سُنة كونية، حتى يترك المدير أو القيادي الفرصة لمن بعده.

    * كاتب كويتي

    طباعة Email