دبلوماسية «الباندا»!!

ت + ت - الحجم الطبيعي

حيوان «الباندا» من الحيوانات الصديقة للإنسان، والأطفال بصفة خاصة، ففي الشكل ما بين الأبيض والأسود عجب، وفيه من الجاذبية سحر ولطف، وفي العموم فإن قلب العالم كاد يتوقف شفقة منذ أعوام عندما تردد أن الحيوان الأليف في طريقه إلى الانقراض.

قامت الدنيا ولم تقعد، ويبدو أن حلاً ما وجد فعادت «الباندا» في موطنها الصيني إلى التناسل، فباتت الهدية التي يعطيها زعماء الصين إلى قادة الدول الصديقة.

وعندما قام «شاي جينبينغ» رئيس الصين أثناء زيارته مؤخراً إلى موسكو بإهداء القائد الروسي فلاديمير «بوتين» ذكراً وأنثى من الحيوان الجميل كان في ذلك إشارة إلى عمق الصداقة الصينية الروسية الآن وفي المستقبل أيضاً.

أصبح الحيوان الذي كان على وشك الانقراض نوعاً من الدبلوماسية التي ترسل رسائل وتأتي بإشارات فسرها مراقبون على أنه نوع من «التحالف» في مواجهة خصم لكليهما هو الولايات المتحدة الأمريكية.

والحقيقة هي أن «دبلوماسية الباندا» ليست فيها مبالغة، ففي يوم من الأيام كانت هناك «دبلوماسية البنغ بونغ» أو دبلوماسية تنس الطاولة التي جاءت في أيام باردة من العلاقات الصينية الأمريكية عندما كان يحكم الصين الزعيم اليساري جداً «ماوتسي تونج»، وكان يحكم أمريكا الرئيس اليميني جداً «ريتشارد نيكسون».

جاء مع الفريق الأمريكي الكثير من الرياح الدافئة، من أول رصد وصول الفريق، وحتى استقباله، وعشاءه وزياراته؛ أصبح للعلاقات الأمريكية الصينية وجهاً إنسانياً، فانتهى الأمر بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبكين، واعتراف الأولى أن هناك «صين» واحدة تمثلها الثانية التي باتت لها مقعدا دائما في مجلس الأمن بدلاً عن «فرموزا» أو «تايوان».

كان الوقت ساعتها في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكانت الولايات المتحدة تريد الخروج من فيتنام، فكان لها سياسة «الوفاق» مع الاتحاد السوفيتي، وكانت العلاقات مع الصين نوعاً من خلق منافسة بين أكبر دولتين شيوعيتين على التعامل مع أمريكا.

«دبلوماسية الباندا» ليست إشارة بقدر ما هي إشهار، فالعالم بات «ثلاثي القطبية»- الولايات المتحدة والصين وروسيا ــ ونظام الثلاثة أقطاب يختلف عن النظام ثنائي الأقطاب الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنه يختلف عن عالم القطب الواحد ــ الولايات المتحدة ــ الذي ساد العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ ولا هو العالم متعدد الأقطاب لأن الاتحاد الأوروبي يتفكك ولا أمل قريب في قيام الولايات المتحدة الأوروبية، كما أن اليابان قانعة بحالها، ولا تريد أن تكون قطباً يتنافس على قيادة العالم.

«اللعبة الثلاثية» تقوم على دولة ــ أمريكا ــ لا يزال لديها تراث كبير من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية التي لا يملكها أحد سواها؛ ودولة أخرى ــ الصين ــ يسير اقتصادها بسرعة الصاروخ، وإذا ما حسب الناتج المحلي الإجمالي للصين مقوماً بالقدرة الشرائية للدولار فإنه يتفوق على أمريكا؛ ودولة ثالثة ــ روسيا ــ تقوم على قدرة عسكرية نووية هائلة، وقدرات فضائية تكنولوجية، والأهم قدرات سياسية حازمة تستخدم القوة دون وجل، ومصممة على استرداد هيبة الاتحاد السوفييتي لتخليص روسيا من المهانة التي ألمت بها.

«دبلوماسية الباندا» جزء من الرقصة الثلاثية للأقطاب الثلاثة، وإشارتها أن قطبين يشعران بالضجر من القطب الثالث الذي يفرض عقوبات اقتصادية على كليهما، روسيا لأنها ضمت القرم وتضغط على أوكرانيا، والصين لأنها تتقدم اقتصادياً وتسبق حالياً في تكنولوجيا G-5 التي تنتجها شركة «هواوي»؛ وأمريكا لا تريد للصين أن تفعل ما فعلته موسكو في السابق عندما سبقت واشنطن إلى الفضاء خارج الكرة الأرضية.

ولكن ليس معنى ذلك في الرقصة الثلاثية أن طرفين يتحالفان ضد الطرف الثالث المزعج، فلم يحدث ذلك بعد، لأن الصين لا تزال تريد التوافق والاتفاق مع أمريكا في التجارة، أما روسيا فإنها تريد التوافق والاتفاق مع أمريكا حول سوريا ولذلك فإن روسيا وأمريكا سوف يجتمعان في «القدس» مع إسرائيل لكي يقرروا المصير السوري!

طباعة Email