الوساطة التي فشلت قبل أن تبدأ

درسنا في علم الدبلوماسية أن الوساطة التي عادة ما تقوم بها دولة أو منظمة لتخفيف التوتر ما بين طرفين، سعياً لدفعهما إلى طاولة المفاوضات من أجل نزع فتيل مواجهة عسكرية محتملة لها شروط يأتي على رأسها: ثقة الطرفين المتنازعين في جهود الوسيط، واعترافهما بمجموعة القيم والأعراف الدولية التي توافق عليها المجتمع الدولي، ورغبتهما الصادقة في السلام.

ولهذا، أشفقنا كثيراً على اليابان ورئيس حكومتها «شينزو أبي» حينما ألقت واشنطن على كاهلهما لعب دور حمامة السلام في الأزمة الأمريكية ــ الإيرانية المتصاعدة.

وهذا، ليس تقليلاً من شأن مواهب الوسيط الياباني وحنكته المشهودة، أو تقليلاً من مكانة اليابان الدولية كبلد ما برح يسعى وراء الأمن والاستقرار وخير البشرية جمعاء، بدليل مساهماته المعروفة في جهود الإغاثة الإنسانية وتأمين البحار والمحيطات من أعمال القرصنة وتقديم المساعدات التنموية لدول العالم الثالث، ناهيك عن تجنيد طاقاته العلمية لجعل حياة ملايين البشر أكثر سلاسة.

إن إشفاقنا على اليابان، وهي الدولة الديمقراطية المسالمة المحترمة المتمسكة بأهداب القانون الدولي، مبعثه أنها تسعى لإقناع طرف شاذ ودولة مارقة ونظام كهنوتي فاجر، للإقلاع عما يسيطر عليه من خرافات وأوهام وأجندات توسعية وأساليب إرهابية في التعامل مع جيرانه ومنظومة الأمم المتحضرة.

المهمة كانت محكومة بالفشل منذ البداية، قبل أن تفشل فعلاً برفض المرشد الإيراني للوساطة رسمياً بـُعيد اجتماعه مع «أبي»، وقوله صراحة إن ترامب «لايستحق أن يتم تبادل الرسائل معه».

إن هذا الفشل ليس ناجماً فقط عن حقيقة أن ملالي طهران تتملكهم نزعة الاستعلاء والغرور مع جيرانهم والعالم، ويعتبرون سياساتهم الحمقاء تكليفاً مذهبياً شرعياً، وإنما ناجم أيضاً عن عدم اعترافهم أصلاً بنواميس العالم المتحضر.

دعك من حكاية أخرى تتلخص في أن النظام الإيراني الحالي متعدد الرؤوس، بمعنى أنه حتى ــ لو افترضنا جدلاً ــ أن الوسيط توصل إلى تفاهم ما مع إحداها فقد تطيح به الأخرى بجرة قلم أو إيماءة من المرشد، على نحو ما حدث مراراً.

لقد تأكد فشل مهمة «أبي»، قبل أن تبدأ وذلك حينما استبقت طهران وصوله بوضع ثلاثة شروط في طريقه، وهي شروط تعجيزية قضت على الوساطة في مهدها.

وهذه الشروط تمثلت في عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي المبرم سنة 2015، ورفع العقوبات الدولية، وتعويض خسائر إيران، وأي عاقل يدرك أن إدارة ترامب ما كانت لتقبل بها لأنها بمثابة العودة إلى سياسات إدارة سلفه باراك أوباما المحابية للإرهاب الإيراني.

هذا، ناهيك عن أن قبول واشنطن بها معناه رضوخها لإملاءات حفنة من أصحاب العمائم المكابرين الذين ورطوا بلادهم وشعبهم في أزمات خارجية على حساب تنمية الداخل الإيراني المتفسخ، ومعناه أيضا عودة حاملة الطائرات والسفن الحربية الأمريكية من الخليج دون أي نتيجة، وسقوط ضغوط واشنطن على حلفائها لإيقاف شراء النفط الإيراني، مع كل ما يمثله هذا من خسارة ماء الوجه لإدارة ترامب.

كان هناك ــ بطبيعة الحال ــ الحالمون بتحقيق اليابان اختراقاً في الأزمة، ممن راهنوا على أنها دولة بلا أجندات خبيثة في المنطقة ولم يسبق لها أن تنازعت مع إيران تاريخياً أو دينياً أو استراتيجياً، وبالتالي فهي وسيط مقبول.

وكان هناك أيضاً من راهن على فرضية قبول الإيرانيين بما يطرحه الوسيط الياباني كونه ليس غربياً وبالتالي لن يرفضه المتشددون من رؤوس النظام الإيراني، أو من راهن على حاجة اليابان للنفط الإيراني كسبب لقيام «أبي» بجولات تفاوض مكوكية. غير أن ما فات كل هؤلاء هو محدودية وضآلة نفوذ وتأثير اليابان على طرفي النزاع، بالرغم من علاقاتها الطيبة مع طهران وتحالفها التاريخي مع واشنطن.

أما أولئك الذين قالوا إن (أبي) سيقاتل في مهمته سعياً وراء أمجاد ومكاسب شخصية قد تجلب له جائزة نوبل للسلام أو تعوضه عن فشله في حل النزاع الياباني ــ الروسي حول السيادة على بعض الجزر المتنازع عليها، أو تعوضه عن بقائه بعيداً عن الملف الكوري الشمالي، فإن قولهم من قبيل التخاريف التي يهرف بها كل من لا يعرف حقيقة وطبيعة الإنسان الياباني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات