ديمقراطيون.. وجواسيس أيضاً

غداة تسلمه مهامه رسمياً في يناير 2017، بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتهام سلفه باراك أوباما ومساعديه من الحزب الديمقراطي، بالتجسس على حملته الانتخابية عام 2016؛ وطالب الكونغرس بفتح تحقيق بشأن هذه القضية.

الوقائع اللاحقة، أبرزت أن ذلك الزعم؛ الذي لم يقم عليه دليل واحد، كان مجرد خطوة هجومية استباقية لمواجهة تسونامي الاتهامات التي توقعها ترامب وواجهها بالفعل، بخصوص التدخل الروسي الاستخباراتي لمساعدته على دحر منافسته هيلاري كلينتون.

بمرور الوقت وتوالي التحقيقات؛ التي اضطلعت بها أكثر من مؤسسة معنية، غاب السجال الخاص بأوباما وبطانته وبقي الاتهام الموجه إلى ترامب موضوعاً لجدل ونقاش حامي الوطيس. والظاهر أن حديث التجسس والتأثير على مجرى الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، مرشح للمزيد من الإثارة والفضول ولا تبدو له نهاية وشيكة..

ذلك بالنظر إلى ظهور لاعبين أو متلاعبين آخرين في المشهد. لقد تأكد أن لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ، سوف تحقق فيما إن كانت شركات إسرائيلية خاصة بأعمال التجسس، قد استخدمت للتدخل في تلك الانتخابات.

على هذا النحو، تظهر العملية السياسية في الولايات المتحدة، بجلالة قدرها على رأس معسكر القوى الديمقراطية، وكأنها مجال مفتوح على مصراعيه لاستقبال الأدوار والتأثيرات من الأعداء والخصوم والأصدقاء والحلفاء، على الصعيدين الداخلي والخارجي على حد سواء. فالزعامات الحزبية، الجمهورية منها والديمقراطية تتبادلان الاتهامات بالتجسس على بعضهما البعض.

وبالتزامن مع هذا القصف المتبادل داخلياً، ينخرط الأمريكيون في تحري مدى خضوع ساستهم، في أعلى مقامات صناعة القرار، للتأثيرات الواردة من الخصم الروسي الوازن دولياً وكذا من الحليف الإسرائيلي الأقل شأناً.

على خلفية هذه الدراما شبه الهوليوودية، حيث الجميع يتلصص على الجميع، يصح التساؤل عما إن كانت ممارسة الديمقراطية والانفتاح الليبرالي تنطوي على عيوب جوهرية، كونها تسمح بمثل هذه الوضعية الضارة والمريبة. لكن الأرجح من الوجهتين الفقهية والعملية، هو أن هذه الممارسة تظل الأفضل قياساً بما عداها من فلسفات وأطر نظامية للاجتماع السياسي.

فحقاً قد تتيح النظم الديمقراطية فرصاً للمداخلات والاختراقات والانحرافات؛ ويظل طرفها غير مبرأ من الدنس؛ لكنها تسمح أيضاً وأساساً باصطكاك الرؤى والآراء وبإجراء التحقيقات والمساءلات والملاحقات القانونية، وصولاً إلى تجلية الحقائق وكشف المستور وإدانة المذنب ومعاقبته.

بين يدي التدبر في هذه الظاهرة، ربما تفهمنا عمليات جوسسة الأعداء والخصوم على بعضهم البعض، بهدف معرفة نقاط الضعف والقوة والتنافس والسباق المحتدم في أكثر من مضمار. هذا جائز ومبرر في سياقات التدافع الاستراتيجي واسع النطاق بين هؤلاء الأقوام.

لكن ما يصعب تفسيره هو تفشي هذه العمليات بين الحلفاء والأصدقاء، الأكثر اطمئناناً لأنفسهم تحت سقوف وشراكات معلومة وراسخة، كما هو الحال بين الإسرائيليين والأمريكيين. ترى لماذا يتجسس الصبي أو التابع على «معلمه» وولي نعمته، اللهم إلا إذا كان يخشى من تغير قلبه أو يسعى إلى توريطه أو تعظيم الاستفادة من عطاياه ومكامن تفوقه ؟!

من التفسيرات المقبولة بهذا الخصوص، أن التحالفات والصداقات أمور نسبية ومتغيرة؛ تخضع لمعطيات ومحددات بعينها، شأنها في ذلك شأن العداوات والمخاصمات. وعليه، ربما اجتهد أحد الأطراف، وغالباً ما يكون الطرف الأضعف، في معرفة اتجاهات الرياح والسياسات لدى الحليف، سعياً للوقاية من مفاعيلها السلبية أو تعزيز أبعادها الإيجابية بالنسبة له..

ثم إن التلصص على الحليف قد لا يأتي من باب التحسب للتحولات غير المناسبة، وإنما بغرض إنضاج المحددات اللازمة لدفعه نحو اتخاذ مواقف بعينها. لنتأمل، مثلاً، كيف استغل الإسرائيليون المعلومات المتراكمة لديهم حول توجهات اليمين الأمريكي المتطرف، لأجل تسخين البيت الأبيض ضد الفلسطينيين وتشجيعه للانقضاض على القدس والجولان.

القصد، أن جمع المعلومات الظاهرة والخفية الموصولة بالسيرة الذاتية لترامب ومعاونيه الأقربين، من حيث ميولهم الثقافية وتوجهاتهم الأيديولوجية الفكرية وأصولهم الإثنية وطبقتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية، كانت عاملاً مساعداً قوياً على تحصيل بعض أهم المرادات الإسرائيلية من الحليف الأمريكي.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات