الناتو الصيني الروسي

شكلت كلمات «الغزل السياسي» بين الزعيمين الروسي والصيني في منتدى سان بطرسبرج أكبر مؤشر على التقارب بين بكين وموسكو لمواجهة الغريم المشترك وهو الولايات المتحدة الأمريكية، فمنذ بدء الاتصالات الرسمية بين روسيا والصين عام 1640 لم تصل العلاقات بينهما لمثل هذا التوافق العريض الذي تمثل في توقيع اتفاقيات «تعزيز الاستقرار الاستراتيجي» وتجاوز حجم التجارة بينهما إلى أكثر من 100 مليار دولار سنوياً، فهل نشهد ولادة «تحالف عسكري» جديد على غرار حلفي الناتو أو وارسو يجمع الصين وروسيا ؟

ولماذا تغامر الولايات المتحدة بالدخول في حرب مفتوحة مع قوتين نوويتين في وقت واحد ـ وهل يمكن لروسيا والصين أن تتناسا الخلافات القديمة بينهما لتشكيل هذا الحلف ضد الولايات المتحدة ؟

تقارب

يبدو أن الصراع المفتوح بين واشنطن من جهة وبكين وموسكو من جهة أخرى ساهم في هذا التقارب غير المسبوق بين الصين وروسيا، فالتقارب الصيني الروسي يشهد مرحلة نوعية من التعاون يقف خلفها تصنيف الولايات المتحدة لكل من روسيا والصين بأنهما «المنافسان الاستراتيجيان» للولايات المتحدة على الساحة الدولية ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها الرئيس ترامب عام 2018.

الصين ترفض «عسكرة» الولايات المتحدة لبحر الصين الجنوبي، وتنظر بعين الريبة لسلوك واشنطن في بحر الصين الشرقي، وترفض دعم ترامب لاستقلال تايوان وهونج كونج، واعترضت بكين على لقاء السفير الأمريكي مع زعماء التبت ومنهم الدلاي لاما، بالإضافة للحرب التجارية ورفض واشنطن مشاركة الشركات الصينية في تكنولوجيا الجيل الخامس.

وعلى الجبهة الروسية تفرض واشنطن عقوبات اقتصادية هي الأشد على روسيا، وانسحبت من اتفاقية عدم نشر الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وتستعد لعدم تجديد اتفاقية «ستارت 3» وتحاصر النفوذ الروسي شرق أوروبا وفنزويلا والمحيط الهادىء.

هذا التوتر غير المسبوق بين واشنطن وبكين دفع وزيري الدفاع «في البلدين ليتحدثا لأول مرة عن إمكانية حدوث «نزاع مسلح» أمام حوار شانجري-لا الأمني السنوي في سنغافورة، فالقائم بمنصب وزير الدقاع الأمريكي باترك شاناهان قال إن بلاده لا يمكن أن «تتجنب السلوك الصيني» الذي يهدد حلفاء واشنطن في آسيا، كما أن وزير الدفاع الصيني وصف أي صراع عسكري بين بلاده والولايات المتحدة سيكون كارثة على العالم.

خطوات

هذا التوتر العسكري بين الصين والولايات المتحدة دفع بكين لتخطو خطوات غير مسبوقة في تعاونها العسكري مع موسكو خلال الشهور القليلة الماضية. البلدان يدركان أن تحالفهما معاً سيخلق« ردعاً عسكرياً » لجموح واشنطن نحو أي عمل عسكري ضد أي من البلدين.

وقد جرت مناورات غير مسبوقة في سبتمبر 2018 بين الجيشين الروسي والصينى هي الأكبر في تاريخ روسيا أطلق عليها «فوستوك 2018 » شارك فيها أكثر من 1000 طائرة روسية، و300 ألف عسكري، وأسطول المحيط الهادئ، والأسطول الشمالي، وقوات الإنزال بالكامل،وشاركت الصين بـ3200 عسكري، و900 قطعة عسكرية بينها مقاتلات ومروحيات.

كما وقفت بكين إلى جانب موسكو خلال أزمتها مع الدول الغربية بعد حادثة تسميم الجاسوس في الاستخبارات العسكرية الروسية، سيرغي سكريبال وابنته يوليا، في بريطانيا، أيضاً دعم الرئيس بوتين حق الشركات الصينية في استخدام وبيع تكنولوجيا الجيل الخامس.

تحالف

لكل السؤال الجوهري هل العداء المشترك لواشنطن قد يثمر تحالفاً عسكريًا يشبه حلف الناتو بين التنين الصيني والدب الروسي ؟، للإجابةعلى هذا يجب معرفة مساحة الاختلاف بين الصين وروسيا، المؤكد أن هناك خلافات عميقة دفعتهما لحرب حدودية عام 1969 في بلدين تصل الحدود بينهما إلى 4200 كلم، كما يوجد صراع تاريخي وجيواستراتيجي على مناطق النفوذ الإقليمية، ويكشف حجم الخلاف بين الصين وروسيا أن بكين لم تعترف حتى الآن بانضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

كما لا تؤيد روسيا مطالب الصين بالجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، لذلك ليس من المقبول على الأقل في الوقت الحالي لصانعي السياسة في روسيا والصين الدخول في حلف عسكري «لأن هذا قد يحد من» القدرة على المناورة لدى البلدين في ظل تشابك العلاقات الأسيوية والأمريكية.

فالهند حليف واشنطن الوثيق على استعداد لدرجة من التعاون مع موسكو، لكن نيودلهي لا يمكن أن تكون في حلف عسكري يضم الصين، كما يخشى بعض الروس أنفسهم من الصين، ويقولون إنهم لا يمكن أن يقبلوا أن تتحول روسيا لتابع للصين على غرار تبعية كندا للولايات المتحدة.

* متخصص في العلاقات الدولية

Aymin_samier@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات