البهجة في السعودية

المملكة العربية السعودية لها مكانة خاصة بين الدول العربية لأنها الدولة التي يوجد فيها الحرمين الشريفين في مكة والمدينة؛ وهي بالأرقام صاحبة أكبر اقتصاد عربي؛ وهي الدولة ذات المكانة الدولية الخاصة سواء كان ذلك لإنتاجها النفطي أو لعضويتها في مجموعة الدول العشرين.

وفي الأسبوع الماضي أضافت المملكة لخصائصها «البهجة» وهي صورة من صور السعادة والمرح بمناسبة إجازات الاحتفال بعيد الفطر المبارك حيث أعلنت الدولة عن ثلاثمائة فعالية ترفيهية تجري كلها بين أنحاء المملكة؛ وأكثر من ذلك كانت هناك مائة وخمسون فعالية تخص إقليم جدة «عروس البحر الأحمر».

الفعاليات كلها متنوعة ومتعددة من المسرح إلى التلفزيون إلى الغناء إلى الحفلات العامة والسيرك؛ وفي جميع الأنحاء تحتوي أهل الفن في السعودية والخليج ومصر ولبنان والمغرب والعالم العربي كله، ومشاهدوها جميع الأعمار من الطفولة حتى كبار السن.

وباختصار فقد وصلت البهجة والسعادة أخيراً إلى السعودية، بعد أن كان لها «وزارة» في الإمارات؛ ونوع من الحياة في مصر تجعل «النكتة» شكلاً من أشكال الممارسة اليومية، ومشاهدات طوال الوقت في لبنان، ومذاق خاص في المغرب العربي. في السعودية فإن «البهجة» جزء لا يتجزأ من عملية الإصلاح الجارية.

وتقاليد الحداثة المرعية حيث يكون للمرأة والطفل مكانة حاضرة، وفي مقدمة الصفوف. وربما قبل ذلك وبعده نوعا من «المقاومة» للأفكار الراديكالية لجماعة «الصحوة» التي جعلت من «التعاسة» وتخيلات عذاب القبر وما فيه من عذاب نوعاً من الحضور في الحياة التي نعيشها الآن.

فما جرى في السعودية والعالم العربي والإسلامي خلال العقود القليلة الماضية، بدءاً من حادث الحرم المكي الشريف في ١٩٧٩ والثورة

الإسلامية في إيران، كان ردة كبيرة عن حقيقة الدين الإسلامي والشرائع السماوية التي تدفع من أجل عمران الأرض وتحقيق السعادة والبهجة فيها. ومن ساعتها نزلت ستارة سوداء على العالم الإسلامي، وكان للسعودية نصيب كبير منها.

وإذا كان تشرشل قد وصف ما نزل بأوروبا الشرقية و«الاتحاد السوفيتي» بأنه ستار حديدي من الحكم «الشيوعي» خنق شعوباً وأمماً عرف عنها الموسيقى والفنون والإبداع في كل أشكاله؛ فإن الستار الأسود كان أكثر قسوة لأنه أقام أحكاماً على المرأة أفقدها إنسانيتها، وخلق أثقالاً على البهجة والسعادة أوجدت حالة من العزلة والاختناق والحصار النفسي على الإنسان العربي والمسلم غير مسبوقة.

وحدث ذلك في الوقت الذي تطورت فيه التكنولوجيا إلى آفاق جديدة ديدنها الاتصالات والمواصلات حتى بات العالم كله بما فيه من آداب وفنون وإبداعات في متناول اليد. وكانت نتيجة هذه المفارقة، أن الستارة السوداء أقامت حياة بائسة من ناحية؛ وفرضت هروباً إلى العالم الخارجي يضغط على الضمير، ويثير عذابات النفس بالذنب في بلد يأتي له الناس من كل أركان الأرض طلباً للمغفرة.

لم تكن هناك صدفة أن برنامج الإصلاح السعودي الشامل، وكذلك الحال في كل عمليات الإصلاح الجارية في أكثر من بلد عربي، جعلت من مكانة المرأة، ونوعية الثقافة، وتشجيع الإبداع والابتكار، والتعليم، والبهجة والسعادة جزءاً هاماً من عملية التغيير.

باختصار لم يكن الإصلاح هو فقط إقامة المدن والمنتجعات والأبراج والطرق والسكك الحديدية والمطارات والمصانع والمزارع؛ كان كل ذلك «هاردوير» لا يعمل ولا ينتج دون «سوفتوير» يهتم بالإنسان وحالته ليس فقط المادية وإنما النفسية والعاطفية.

وبصراحة فإن «الستار الأسود» الذي هبط على العالمين العربي والإسلامي استهدف المرأة أولاً ثم الطفل ثانياً ثم الإنسان في عمومه ثالثاً بالحرمان من حقوقه الطبيعية في الابتسام والبهجة. ما جرى في السعودية خلال أيام العيد لم يكن مناسبة أو صدفة، وإنما هو جزء من عملية كبرى إذا ما نجحت في المملكة سوف يكون لها انعكاساتها في بقية العالم العربي والإسلامي ترفع الستار الأسود، وكل الستائر الأخرى التي تقف في طريق التقدم.

* كاتب ومحلل اقتصادي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات