أصل البهجة.. تعاسة!

رفع وزير التعليم في الكويت سماعة الهاتف ليهنئ أوائل الطلبة شخصياً. وذلك في بث تلفزيوني مباشر شاهدنا من خلاله كيف ابتهج المتفوقون أيما ابتهاج لسماع هذا النبأ لأول مرة من الوزير.

وهذا دليل أيضاً على أن عنصر المفاجأة يضاعف من لحظة الابتهاج. وهناك من يغتنم الأخبار المبهجة لإشاعة أجواء من السرور من حوله. وعلى النقيض يعيش بيننا من يتلذذ في اقتناص كل خبر سلبي ليسارع في بثه على أوسع نطاق. بهؤلاء تخيم علينا أجواء التعاسة والكآبة.

العجيب أن العلماء حينما جمعوا ملايين التدوينات في «تويتر» لاحظوا أن الناس تبدأ يومها في رسائل مليئة بالتفاؤل والسعادة والبهجة، ولكنها سرعان ما تتدهور في السويعات الأخيرة من الليل. الرئيس الأمريكي السابق، أوباما، كان يوضع على مكتبه بصفة دورية تقرير يقيس المزاج العام في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي بالمناسبة يمكن قياسها بطريقة علمية وموضوعية عبر شركات متخصصة تقيس مفردات معينة في لغات عدة لتصل لمؤشرات المزاج العام.

وكلما زادت مساحة البهجة في يومياتنا زاحمت محاولات تسلسل مشاعر التعاسة والإحباط إلى نفوسنا. وما الأعياد إلا مناسبات تحاول أن تعيد إلى أذهاننا مشاعر السرور. غير أن هناك من اختاروا أن يبدأوا يومهم بنظرة تفاؤلية وبشاشة تتهلل معها أسارير كل من يخالطهم في ذلك اليوم. وعلى النقيض هناك من يستقبل يومه بالتجهم فمهما كان رونق ذلك اليوم يأبى إلا أن يفسده.

النوع الأول المبتهج يعدي بسلوكه الآخرين، لأن «بَهَجَهُ الشيءُ» لغة يقصد بها: «أَفاض سُرُورَه». وهناك من يفيض مشاعر الكآبة لأنه يستمتع بجلد الذات اعتقاداً منه بأنه يفضفض. وشتان بين الفضفضة العابرة وبين الإمعان في الكآبة والنكد. فإذا ما بدأ المرء يكرر عشرات المرات ما أغمه فقد دخل في حالة «اجترار التعاسة». والمبالغة في أحاديث الكآبة مذمومة إلا في البهجة فهي محمودة لأنها تنشر أجواء من الفرح والسرور.

ولو افترضنا أن سكان الكرة الأرضية سبعة مليارات نسمة وقرر نصفهم إدخال السرور على قلب شخص واحد فسوف تضيء كل أرجاء المعمورة بمشاعر الانشراح والراحة. فما يفعله المرء لغيره سيعود إليه عاجلاً أم آجلاً. هذا ليس كلاماً إنشائياً فقد ثبت علمياً أن ما نقوله أو ما نكتبه في «تويتر» من كلام سلبي يمكنه أن يتنبأ بأمراض خطيرة. فقد تمكن عالم النفس الشهير مارتن سيليغمان من نشر بحث حصر فيه نحو 100 مليون تدوينة في «تويتر» وصنف كلماتها إلى مفردات سلبية وإيجابية وقارنها بالمؤشرات العشرة الشهيرة بالتنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب في نحو 1300 مقاطعة أمريكية ثم عرض خريطة ملونة أظهرت مفاجأة بأن ما يقال في «تويتر» يمكنه التنبؤ باحتمالات الإصابة بأمراض القلب بنسبة إحصائية أكبر من كل المؤشرات العشرة.

الكلام يؤلم ويُقَلِّب المواجع وكذلك الأحداث المحيطة. قابلت شخصاً قبل أيام فقال لي إنه أصيب بمرض الثعلبة إذ تساقط جل شعر رأسه بصورة مذهلة. فأخبره الطبيب بأن ذلك ناجم عن صدمات نفسية قوية. فاعترف له صاحبي بأن ما يجري في عمله من تجاوزات تتصادم مع مبادئه قد دمر نفسيته لتعارضها مع قيمه النبيلة، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً يذكر حيال ذلك. لا شك أن هذا الرجل قد تقلصت في يومياته مساحات البهجة بسبب أجواء التعاسة التي خيّمت على حياته المهنية.

ولذلك يبحث البشر منذ بدء الخليقة عن نسائم البهجة هروباً من أجواء الكآبة الخانقة. ومن هنا كان أصل البهجة محاولة للهروب من نوبات التعاسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات