الانتخابات الأوروبية والعمل العربي المشترك

إحدى أهم النقاط - من بين العديد منها - التي خرجت بها انتخابات البرلمان الأوروبي التي انتهت أخيراً والتي نريد التوقف عليها في مقالنا، هي: الحاجة إلى عودة العمل الأوروبي المشترك بعدما شعرت بوطأة الأزمات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تواجهها باعتبارها إحدى إفرازات التوجهات الانفصالية عن هذا الكيان على سبيل المثال: محاولة انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، تزعزع الاستقرار الداخلي احتجاجات السترات الصفراء، إسلاموفوبيا، والتنافس على النفوذ الدولي.

رسمت الانتخابات الأوروبية، التي شهدت مشاركة كبيرة من المقترعين لصالح التيار اليميني المجاهر منذ فترة بنية التفكك من الاتحاد الأوروبي والعودة إلى الدولة القُطرية اتجاه خارطة الرأي العام الأوروبي ومعهم البريطانيون من خلال اختيار ممثليهم ورغم تصدر حزب الداعين إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي والمشككين في استمراريته هو الذي فاز بأغلب المقاعد، غير أن حصول حزب المؤيدين بالاستمرار بالعمل الجماعي الأوروبي (الديمقراطيين الأحرار) الذي حل ثانياً يعني أن القرار لن يكون وحيداً لدعاة الانفصال وأن أمر تفكك الوحدة الأوروبية لن يكون قريباً وأن هؤلاء - رغم قلة عددهم - سيوازنون في السياسات الأوروبية في مسألة الانفصال.

بغض النظر عمن فاز بالعدد الأكبر من الأحزاب إلا أن حصول مؤيدي البقاء في الاتحاد الأوروبي على المركز الثاني وتأخر إجراءات خروج بريطانيا منه برغم أنه كان مقرراً في مارس الماضي فإن هذا علامة على عمق اتجاه العمل المشترك ورفض الاتجاه الانفصالي أو البريكستي «لمؤسسات ورموز»، فهذا التفسير الحقيقي ما يبشر بإمكانية تراجع موقف اليمين المتطرف من أصحاب نعرة تهديد تجربة وحدوية استمرت لعقود وأوضحت أن التحديات التي يمكن أن تواجهها أكبر في حالة الانفصال منه مقارنة بالبقاء ضمنه وأن الخلاف أو الاختلاف يمكن معالجته ضمن إطار البيت الأوروبي ودون الخروج منه بل والتنازل عن بعض المواقف للمصلحة القومية.

هذه الاستدارة الأوروبية ــ النسبية - تحتاج إلى التفكير فيها عربياً خاصة من قبل بعض الأنظمة على رأسها قطر التي لا يتجاوز تفكيرها وحماسها قطرها الضيق دون النظر إلى المصلحة وفق المفهوم القومي العربي والخليجي مع أن المتضرر الأول في سياساتها على المدى المنظور ستكون هي خاصة في ظل ما يحيط الإقليم العربي من تحديات وتهديدات كلها تصب في تقاسم النفوذ بين دول إقليمية صاحبة مشروعات سياسية وطموحات دولية.

تلك التحديات التي يمكن أن تعرض العرب إلى ما واجهته بريطانيا من رغبة في انفصال إقليم اسكتلندا وإثارة النعرات القومية والطائفية وهي كثيرة في دولنا العربية وإن كان بصورة ليست طبق الأصل لأن الدولة العربية في حالة من «سيولة سياسية»، فهل تستفيق تلك الدول وتنتبه لمواقفها من العمل العربي والخليجي المشترك والمبني وفق حاجات أمنية حقيقية لأن ما في قمم مكة الأخيرة من انسحاب قطري ورفض البيان يشير إلى نية سياسية مليئة بتدمير محاولة «لملمة العرب» واستعادة نظامهم الميت سريرياً.

مثلما شعرت الشعوب الأوروبية بأن اتحادهم قوة وضمان وأنه هو طوق نجاة من كل التحديات بعدما شعروا بأن حالة الاستقرار والأمن التي ينعمون بها لم تتحقق قبله، كما أن هذا الاتحاد خلق نوعاً من توازن مع التحالفات الإقليمية الأخرى، أو أنه لعب دوراً رادعاً لأي تصرف أو حركة غير طبيعية داخلية من الممكن أن تهدد مكتسباته فإننا كعرب وخليجيين أحوج إلى هذه العودة، وهذه الاستدارة لاسترجاع نظامنا العربي الذي تفكك بسبب ما يعرف بـ«الربيع العربي» وبسبب عدم إدراك بعض الأنظمة ما تفعله من سياسات كيدية بفكر ضيق لكن تأثيرها الاستراتيجي يصل إلى تدمير الكيان العربي والخليجي.

إن الدرس البريطاني «البريكستي» علّم شعب هذا البلد والشعوب الأوروبية أهمية الحفاظ على وحدتهم وعملهم الجماعي من التشقق والتشتت، فهل لنا أن نستوعب ذلك الدرس؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات