الوساطة في الأزمة الخليجية

الأزمات الإقليمية والدولية مثل الزلازل في حالة الطبيعة؛ وكما تقاس هذه الأخيرة بمقياس «ريختر» فإن الأولى تقاس بمدى احتمالات تحول الأزمة إلى حرب لأن ساعتها سوف يكون الدمار شاملاً.

وبحكم التعريف فإن الأزمة لا تكون كذلك إلا إذا تضمنت احتمالات استخدام القوة العسكرية، التهديد باستخدامها وحده لا يكفي كما فعل الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» عندما هدد بحرق كوريا الشمالية بالغضب والنار فإن ذلك لم يخلق أزمة، كان الأمر نوعاً من «الردح» الدولي، وسبيل للضغط لعل الزمن يسفر عن مفاوضات.

في الحالة مع إيران لم يكن التهديد بمحو إيران من الوجود معلقاً في الفضاء فقد صاحبته حركة للأساطيل والأسلحة لديها من قوة النيران ما يعطي مصداقية لما يقال.

على أي الأحوال فقد قررت إيران أن تفعل ما برعت فيه من قبل، وهو أن تستخدم أدواتها الإرهابية لكي تقوم بالفعل، فكانت التفجيرات التي قام بها الحوثيون مستخدمين الألغام الإيرانية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات وفي استخدام «الدرونز» ضد محطات ضخ نفط أرامكو السعودية.

الخطوتان الأمريكية والإيرانية خلقتا «الأزمة» التي أصبحت لها امتدادات مع دول الخليج العربية، لم ينفع معها ادعاءات إيران أنها ليس لها يد فيما حدث من انفجارات، ولم ينفع أيضاً عرضها بمعاهدة عدم اعتداء لأن المصداقية لا تأتي بتجاهل حقيقة أن الحوثيين، كما الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان ما هي إلا أدوات إيرانية.

ولا توجد أزمة حقيقية إلا وكان فيها وسطاء، فلا أحد في العالم يرغب في حرب خاصة إذا كانت في الشرق الأوسط الذي تعب على مدى عقد كامل من الحروب.

وفي سوريا ما زال الموقف فيه كل المنظمات الإرهابية، وهناك إيران وتركيا بقواتهما وعملائهما أيضاً، وهناك روسيا والولايات المتحدة.

ولذا ما أن بدأت الأزمة حتى كان لسويسرا رئيس ذهب إلى واشنطن لعله يقطع الطريق على الحرب، ولكن الرئيس الأمريكي كان يطلب من إيران أن ترفع سماعة التليفون للحديث معه.

بعدها توالى الوسطاء والحاملين للرسائل بعضهم سراً والبعض الآخر علناً، وربما كان العراق هو الذي وجد نفسه أبرز المرشحين للقيام بهذا الدور بحكم صلاته بالطرفين، وبحكم أنه لو فشلت كل الوساطات فإن أرض العراق سوف تشهد ما لا تحب مشاهدته على أرضها مرة أخرى.

عمان وقطر، وقيل إن بريطانيا تلعب دوراً، وفي العادة فإن الدول الكبرى عندما ترغب في الوساطة فإنها تجس نبض الأطراف أولاً لأن فشل وساطتها يعد إهانة لدبلوماسيتها، وربما تسبب ضرراً لمصالحها. فالوسيط لا يدخل الوساطة لأنه يحب السلام العالمي، وإنما في العادة لأن له مصالح يريد حمايتها، أو لأنه يريد أن يسجل نقطة تجعله وسيلة طرف للخروج من مأزق وضع نفسه فيه.

المعضلة هنا أن كل الوسطاء في الأزمة الإيرانية الأمريكية، فضلاً عن العربية الإيرانية، سوف يجدون أن الطرف الأمريكي يعاني من حالة ترامب الذي يدير العلاقات الدولية على وسائل التواصل الاجتماعي؛ وبمراجعة تصريحاته فإنها تأرجحت ما بين التهديد لإزالة إيران، وما بين التعهد بأنه لا يريد تغيير النظام الإيراني، ومنح العراق مهلة أكبر للتعامل مع العقوبات الاقتصادية.

الطرف الإيراني لا يقل ذبذبة بين الصقور والحمائم، وما بين الحرس الثوري الذي أعلنته الولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً، وسلطة الرئاسة التي فقدت الكثير من اعتدالها، ولم يبق لها وجه يتحرك بين دول العالم، إلا وزير الخارجية ظريف الذي بات واقعاً داخل وخارج إيران في مواقف أبعد ما تكون عن الظرف.

الوساطة في الأزمات لها شروط، فالوسيط لا يكون له مصلحة في الوساطة فقط، ولكن الأهم أن يكون للأطراف مصلحة في استخدامه، وهو ما لا يحدث إلا إذا كان لديه القدرة على التوصل إلى اتفاق وضمان تنفيذه، وذلك همٌ لو تعلمون عظيم. في حالتنا الراهنة فإن كل وساطة سوف تواجه بما يسمى The End Game أي ما الذي يريد كل طرف أن يصل إليه في نهاية الأزمة.

الولايات المتحدة تريد مفاوضات جديدة لعقد اتفاق جديد؛ وإيران تريد رفع العقوبات كاملة مع «الاستعباط» بحق علاقاتها مع كل الحركات الإرهابية في المنطقة خاصة الحوثيين. طريق الوساطة حتى الآن مسدود!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات