ترامب والترامبية.. إلى أين؟

كل ما يتعلق بسيرة دونالد ترامب على الصعيدين الشخصي الخاص والسياسي العام، قبل وبعد تسيده البيت الأبيض الأمريكي، يبدو غرائبياً وغير اعتيادي ومثيراً للدهشة والفضول. ومن ذلك أنه في الوقت الذي يتطلع فيه بعض أعضاء الكونغرس، مثل رشيدة طليب ذات الأصل الفلسطيني، إلى ضرورة اتخاذ إجراءات لعزله من الرئاسة، استناداً إلى عريضة موقّعة من عشرة ملايين مواطن بهذا الخصوص، وتطلب نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب من الحزب الديمقراطي، التريث في تمرير هكذا إجراء، بالنظر إلى «عدم وجود ملف واضح ضده». في هذا الوقت، يؤكد أحدث استطلاعات معهد «غالوب»، أن 46 % من عموم الأمريكيين، و91 % من الجمهوريين، راضون عن أداء رئيسهم. ويمضي الاستطلاع ذاته إلى أن نصف المجتمع الأمريكي بالتمام ممتعضون من هذا الأداء.

هذا يعني أن الأمريكيين منقسمون مناصفة تقريباً حول الرجل. ولكن شعبيته تظل مرتفعة بشكل ملحوظ، قياساً بحجم اللغط الذي لم ينقطع منذ مستهل ولايته إلى لحظتنا هذه، بشأن مدى حصافة تصرفاته وسياساته الداخلية والخارجية، شكلاً ومضموناً.

بالتزامن مع بيانات معهد «غالوب»، أكد مسح أجرته جامعة مونماوث بولاية نيوجيرسي (16- 20 مايو 2019)، أن 37 % فقط من الناخبين الأمريكيين يفضلون إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية، مقابل 60 % يرغبون في رؤية غيره في الرئاسة.. وهناك 29 % يرون أن الرجل يسير في الطريق الصحيح، بينما يعتقد 63 % أنه على الطريق الخطأ.

من جماع هذه المعطيات، نقف على حالة الحيرة واللاأدرية التي يعانيها الأمريكيون، وهم بصدد تقييم عمل رئيسهم غريب الأطوار. إذ كيف يكون 46 % منهم راضون عن أدائه وفقاً لاستطلاع «غالوب»، فيما يقول 63 % في استطلاع مونماوث، بأنه يمضي على الطريق الخطأ؟!. ولا يقل منسوب الحيرة عندما نعرف من هذا الاستطلاع الأخير، أن 56 % من الأمريكيين لا يتهمون الرئيس بالتقصير، ويعتقدون أنه لا يستحق الإقالة... لا معنى لهذه المواقف المتعارضة، سوى أن ترامب نجح في بعثرة الرأي العام، وربما جاز الاعتقاد بأنه أصاب الأمريكيين بعدواه، حتى إن نسبة معتبرة منهم باتت تستمرئ نهجه الغرائبي.

ترامب هذا بكل ما عليه، ما زال رجل المرحلة لدى حزبه الجمهوري، وقد بدأ المعنيون في الحزب، بالإعداد لحملة إعادة ترشيحه لولاية ثانية. وبهذا الخصوص، هناك أخبار لا تسر المتربصين به، المتحرقين لأفول نجمه داخلياً، لا سيما من الحزب الديمقراطي المنافس، وخارجياً في جهات كثيرة من المعمورة، تغطي الشرقين الأوسط والأقصى والجوار اللاتيني، فضلاً عن قطاع واسع من الأوروبيين المتأذين من نهجه المعاكس للتوجهات الوحدوية في القارة العجوز.

قوام هذه الأخبار، التي بثتها قبل أيام مجلة «بيزنيس إنسايدر» الأمريكية، أن هناك تسعة أسباب ترجح فوز ترامب بولاية ثانية خلال انتخابات نوفمبر 2020. أبرزها، استقرار الجمهوريين بنسبة تفوق الـ 80 % على ترشيحه وجمع الأموال اللازمة لحملته، في ظل غياب اتفاق الديمقراطيين حتى الآن على مرشح منافس، وانتهاء المحقق مولر إلى ما يشبه تبرئته من شبهة التواطؤ الصريح مع الروس خلال انتخابات عام 2016، وتحسن أوضاع الاقتصاد، وهبوط معدل البطالة إلى أدنى مستوى منذ 50 عاماً، وازدهار التوظيف في المناطق الريفية الموالية له، وميل رواد سوق المال والأعمال إلى تعويمه مجدداً.

لا ندري لم تجاهلت هذه الأخبار دور متغيرين مهمين في تعزيز مكانة ترامب الانتخابية، الأول يتعلق بأفضليته لدى الأوساط الصهيونية واسعة النفوذ، لكونه تجرأ على تجاوز معظم الخطوط الحمراء لأسلافه، حين اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وأقر بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة منذ 1967؟. والثاني، صعود نجم الحركات الشعبوية القومية والانعزالية المتطرفة، التي ينسجم الرجل مع توجهاتها، وميولها داخل الولايات المتحدة وأوروبا على جانبي الأطلسي. والحال كذلك، لا يلتزم المتضررون من سياسات ترامب جانب الحكمة، حين يستبعدون امتداد ولايته إلى عام 2024، ويبنون مواقفهم على هذه القناعة. هذا دون الحديث عن احتمال بقاء «الترامبية»، واستمرار آثارها وتوابعها في البيئتين المحلية والدولية بعض الوقت، حتى في حال غاب مؤسسها وراعيها الأول.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات