قلق يسود الوسط السياسي في العراق

يُضفي التوتر المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط بفعل الأزمات المتجددة منذ أربعة عقود من الزمن بسبب سياسات النظام الإيراني، بظلاله الكئيبة على جميع دولها ويثير القلق في أوساطها السياسية بدرجات متفاوتة، فهو على أشده في الوسط السياسي العراقي وذلك لما للحضور الإيراني الكبير جداً من تأثير فيه أيديولوجياً وسياسياً.

القلق لدى البعض يتجاوز التخوف من مجرد رذاذ حرب ودخان قد تصل الأراضي العراقية إلى ما هو أكبر من ذلك وهو ما سيطرأ على التوازنات القائمة في العملية السياسية من تغيير، وبما سيلحق حضور إيران وأعوانها ومصالحها من تراجع كبير في معادلات هذا التوازن.

لم يتردد مسؤولون عديدون في العراق وعلى رأسهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالتصريح علانية بأن العراق سيكون أول المتضررين بالصراع بين واشنطن وطهران إن انفجر عسكرياً. وهو تقويم سليم لواقع الحال إذ رغم أن العراق ليس طرفاً في الصراع إلا أن أرضه قد تكون ساحته الأولى لأن إيران لا تقاتل بقواتها بل بأجهزة استخباراتها وبميليشيات من دول أخرى تمكنت من فصلها عن نسيجها الوطني ودربتها وسلحتها وضمنت خضوعها المطلق لإرادة الولي الفقيه، وهناك العديد من هذه الميليشيات في العراق.

لم تواجه أية حكومة عراقية منذ التغيير عام 2003 ما تواجهه حكومة عبد المهدي الحالية من تحديات، فهي إضافة إلى ما ورثته من إخفاقات الحكومات التي سبقتها في التعامل مع الواقع العراقي بملفاته المعقدة تواجه الآن مشكلة تجنيب العراق مخاطر الانزلاق في الصراع المتصاعد. فعلى المستوى الرسمي أعلن العراق مراراً بأنه لا يرغب في الانخراط في أي من المحاور السياسية في المنطقة أو الاصطفاف خلف أطروحات دولة أو رايات تنظيم سياسي تتجاوز الجغرافية الوطنية العراقية، ولا أن يكون ساحة تسوية الخلافات أو تصفية حسابات أو منطلقاً لشن حرب على جهة أخرى، هذا ما دأبت الحكومة العراقية على أعلى المستويات التصريح به. وقد استطاع العراق استخلاص تطمينات بأن الولايات المتحدة لن تستخدم الأراضي العراقية في أي معركة قد تحدث مع إيران في سياق هذه الأزمة، لكن الخوف من استفزازات إيرانية من الأراضي العراقية.

على محور آخر عُقد في مقر رئاسة الجمهورية في التاسع عشر من مايو الجاري اجتماع موسع رفيع المستوى ضم قيادات حزبية وسياسية متقدمة ممثلة في مجلس النواب رعاه رئيس الجمهورية برهم صالح بعيداً عن وسائل الإعلام لبحث وسائل النأي بالنفس وإبعاد العراق عن الصراع وضمان عدم صدور موقف يبتعد عن هذا الهدف أو يضعف من موقف الحكومة العراقية التي قررت النزول بقوة إلى ساحة الصراع وإرسال وفود إلى العواصم الرئيسة التي تدير دفته. إلا أن أجواء هذا الاجتماع قد تعكرت برسالة حملها صاروخ كاتيوشا سقط بالقرب من مبنى السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، رسالة قد تقرأ بمعاني مختلفة إلا أن توقيتها يرجح إحدى القراءات على غيرها، وهي تحذير المجتمعين من اتخاذ أي موقف يوحي بالانحياز نحو الجانب الأمريكي.

أما على المستوى الشعبي، فالمزاج العام مناهض لأية محاولة لزج العراق بأتون حرب جديدة لا مصلحة له فيها بعد أن ذاق مرارة ثلاثة حروب على مدى العقود الأربعة المنصرمة، فهناك انحسار كبير في التعاطف مع إيران ومواقفها السياسية في معظم المدن العراقية خاصة الجنوبية منها. ولكن هذه المواقف المعلنة لا ترقى إلى مستوى الأحداث التي توشك أن تعصف بالعراق، فالنأي بالنفس يتطلب أكثر من مجرد الإعلان عن الالتزام به، فالحكومة لم تتخذ أي إجراء لوضع حد لنشاطات الميليشيات الإيرانية التي تهدد علناً بالتصدي للمصالح الأمريكية في العراق وخارجه والتي لا تخفي ولاءها لإيران وتتجاهل تماماً مصالح العراق وشعبه.

والحقيقة أن العراق قد بدأ يجني ثمار التصاعد في التوتر الذي يلف أجواء المنطقة قبل أن يندلع صراع مسلح فيها، فهناك مؤشرات قوية على مدى الانحسار في فرص الاستثمار الذي يحتاجه العراق لإعادة بناء اقتصاده. فالإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الولايات المتحدة بتخفيض وجودها المدني في العراق بتخفيض عدد الموظفين في سفارتها في بغداد وفي قنصليتها في أربيل ثم إخلاء موظفيها العاملين في شركة أكسون موبل النفطية، والإجراءات المشابهة التي اتخذتها كل من ألمانيا وهولندا وبريطانيا بشأن قواتها العسكرية ورعاياها كان له أثر سلبي على الوضع الاستثماري في العراق.

 

كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات