رؤية إيرانية مبتسرة للأمن الإقليمي

تشير التصريحات التي أدلى بها أخيراً وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى أن النظام في بلاده يمتلك رؤية ذاتية معزولة عن متطلبات الأمن الإقليمي وأساسياته، إذ قال ظريف إن بلاده عرضت توقيع اتفاق عدم اعتداء مع جيرانها في الخليج، كما أعرب ظريف عن رغبة طهران في بناء «علاقات متوازنة» مع جميع الدول الخليجية.

الواقع يشير إلى أن النظام الإيراني يجب أن يفكر قبل أي شيء في مسؤولياته الأساسية المترتبة على عضوية إيران في الأمم المتحدة والتزامها بميثاق المنظمة والقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بمتطلبات تحقق الأمن والاستقرار الدوليين، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بمبدأ حسن الجوار، ناهيك عن قائمة طويلة من الالتزامات والواجبات المنبثقة عن مسؤولية الدول الأعضاء في المنظمة الدولية في الحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين.

المستقر في وجدان أي مراقب للشأن الخليجي أن إيران لا تعترف، من الناحية الواقعية، بمبدأ حسن الجوار، بل هي من أكثر دول العالم انتهاكاً لحقوق جوارها الإقليمي، وتعدياً على سيادة الدول، ويكفي أنها تباهت علناً باحتلال أربع عواصم دول عربية، ناهيك عن أن دستورها يقر صراحة الالتزام بأفكار تصدير الفكر الثوري خارج حدود إيران!

هذا الإدراك للسلوك الإيراني يتناقض تماماً مع التفكير في توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع دول الجوار، فمن ينتهك حقوق الدول المجاورة ومن يتجاوز القانون الدولي، وسيادة الدول يطرح توقيع اتفاق عدم اعتداء! أليس من الأولى أن يلتزم بالأصول قبل أن يدعو إلى الفروع؟!

فالمعروف أن أي اتفاقات أو معاهدات ثنائية بين الدول هي بالأساس تستند إلى القواعد والمبادئ العامة التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة، فكيف بمن ينتهك هذا الميثاق ولا يعترف به أن يطرح مبادرة توقيع اتفاق قائم على القواعد والمبادئ الدولية ذاتها؟

المؤكد أن ظريف قد طرح هذه الفكرة كنوع من المناورة السياسية، فالنظام الإيراني يدرك جيداً أن دول مجلس التعاون تميل إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، باعتبار ذلك أحد متطلبات تجاربها التنموية التي تقوم بالأساس على توفير أجواء ملائمة، لجذب وتشجيع الاستثمارات وتعزيز التعاون والتبادل التجاري والاقتصادي والانخراط بقوة في حركة الاقتصاد العالمي.

وبالمقابل، فإن النظام الإيراني هو من يعمل على نشر الفوضى والاضطرابات عبر أذرع ووكلاء طائفيين ينشرهم في بعض دول المنطقة، وهو من يوعز للميليشيا باستهداف دول المنطقة، كما حدث أخيراً في حالتي استهداف سفن تجارية بالقرب من المياه الإقليمية لدولة الإمارات، واستهداف مضخات النفط السعودية بطائرات مسيرّة حوثية مفخخة.

الواضح إذاً أن الأمن والاستقرار في منطقة الخليج يتطلبان توافر عوامل عدة أولها التزام النظام الإيراني بمبادئ الأمم المتحدة وأداء دوره كعضو مسؤول في المجموعة الدولية، وثانيها تطبيق ما يترتب على هذه الالتزامات من مثل تخلي النظام الإيراني عن النهج العدائي والأنشطة العسكرية التآمرية والتهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز وإجراء التجارب الصاروخية متوسطة وقصيرة المدى التي يبدو واضحاً أنها موجهة صوب مصالح دول الجوار، وإعلاء مبدأ حسن الجوار في التعامل مع مختلف دول المنطقة، فضلاً عن ضرورة إبداء حسن النيات بقبول الحوار الجاد حول الملفات والنقاط الخلافية، مثل الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران، وترفض كل مبادرات دولة الإمارات لتسوية هذه القضية سلمياً، سواء عبر الحوار المباشر أو إحالة القضية للتحكيم الدولي.

كما يتطلب الأمر أيضاً أن تكف إيران عن نظرتها الاستعلائية وتدخلاتها المذهبية التي تتسبب في أزمات عدة بالمنطقة، فالرغبة في فرض الإرادة وبناء علاقة غير متوازنة بين إيران ودول المنطقة هي أساس كل المشكلات والأزمات والتوترات، ومن يريد أن يدرك طبيعة النظرة الإيرانية في هذا الشأن، عليه أن يعود إلى كم هائل من تصريحات القادة والمسؤولين الإيرانيين بشأن دول ذات سيادة، يراها النظام الإيراني جزءاً من إيران، وينكر عليها سيادتها واستقلالها!

هذا الاستعراض الموجز لبعض من ممارسات النظام الإيراني ومواقفه يؤكد أن الأمن والاستقرار الإقليمي يتطلبان بالأساس بناء الثقة من خلال مراجعة طهران مواقفها والتخلي عن نظرتها الفوقية الاستعلائية، والالتزام بما تطلبه من الآخرين وهو العلاقات المتوازنة! ومن دون ذلك تبقى الأفكار والمبادرات مجرد شعارات للمتاجرة الإعلامية والسعي لكسب تعاطف الرأي العام، من دون وجود أي نيات حقيقية لإحداث تغيير جذري ونوعي في توجهات النظام الإيراني، بما يحقق هدف الأمن والاستقرار الإقليمي بشكل حقيقي.

الدعوة الإيرانية لتوقيع اتفاق عدم اعتداء مع دول الجوار، لا تعبر، برأيي، عن تغير ما في استراتيجية النظام الإيراني، بل تعكس استمراراً في المراوغة والالتفاف على الحقائق والواقع الذي لن يتغير إلا بتغير قناعات وسلوكيات النظام الإيراني ذاته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات