مواجهة السياسات الإيرانية

الشعوب العربية وهي تنتظر عقد قمتي مكة (الخليجية والعربية) يوم غد الخميس، نجد أن هناك جدلاً إعلامياً في وسائل التواصل الاجتماعي ناتجاً من حالة الاختلاف السياسي العربي حول مكانة النظام الإيراني من الوعي والفهم العربي، وهو جدل جدير بالوقوف عليه وتفنيده.

يدور هذا الجدل حول مدى إدراكنا جميعاً للخطر الاستراتيجي الذي يمثله النظام الإيراني على الأمة العربية، باعتبار أن الدول العربية تمثل كياناً واحداً، وبالتالي فإننا نتحدث عن مفهوم الأمن الوطني العربي، باعتبار أن تأثر أمن أي دولة عربية يمثل تهديداً لاستقرار باقي الدول العربية، ويدور هذا الجدل أيضاً حول وجود وعي وإدراك حقيقي لدى المثقفين العرب، كونهم يمثلون قادة الرأي العام العربي وكونهم يمثلون مؤشراً لدى دوائر صنع القرار الغربي الذين يتابعون فهمنا المشترك من خلال ما يكتبه البعض حول أن إيران لديها مشروع فارسي يمتد أبعد من التركيز على بعض الدول العربية، أم أنه مشروع يستهدف بعض الدول العربية.

لا يمكننا تجاهل حقيقة واضحة بأن هناك إصراراً من بعض السياسيين والعرب على تصوير إيران بأنها «حمل وديع»، وأن نظامها يسعى لتحقيق المصلحة الخليجية والعربية ضد الطموحات الدولية، وبالتالي يبررون ما يفعله قادة إيران من ردود أفعال أبسط ما يقال عنها «بلطجة سياسية» من أجل تخويف الدول التي تتجرأ عليها، وهم في الوقت نفسه يتحاشون ذكر أي أدوار إيرانية لزعزعة الاستقرار في الدول العربية، وكأن المطلوب من كل الدول العربية أن يستسلموا لما يريده النظام الإيراني ويرضخوا له.

قمتا مكة، فرصة مواتية للمثقفين العرب والسياسيين لفتح نقاش واسع بعيداً عن التمنيات العاطفية التي شوهها الفهم الخاطئ للاختلافات أو الخلافات العربية البينية، حيث تجد مواقف بعض المغردين وكذلك السياسيين يتمنون شراً لبعض الدول العربية، وكأن الأمر لا يعنيهم، مع أن إيران لا ترى في العرب إلا عبارة عن كتلة واحدة ومسألة التمدد فيها مرحلية وتجاهل بعضها حالياً لا استثناء في مشروعها السياسي.

وقمتا مكة، فرصة لوقفة مصارحة ومكاشفة من أن الزيارات التي يقوم بها بعض السياسيين الخليجيين والعرب إلى طهران ينبغي ألا تقتصر على محاولة «نزع فتيل الحرب» فقط، وإنما الأهم إفهام هذا النظام المتغطرس بأن الكارثة إن حلت لن تستثنيه، بل قد تكون أكثر تأثيراً عليه من الآخرين، وأن منطق «البلطجة» ليس أسلوب دول ونظم تحترم شعوبها وعراقة حضارتها.

هناك تشويه في النظرة الحقيقية للنظام العربي الذي يعيش على مواقف ومشاغبات بعض الأنظمة العربية إلى درجة الاستعانة بها والتقوي بها ضد دول عربية لها ثقلها السياسي، والشيء المفاجئ أن البعض يتجاهل تاريخ الفرس حالة الاستفادة من الاختلافات التي تحدث حالياً، كما هو الحال بين حماس وفتح، وكذلك في لبنان فهي - إيران - لا ترى في أي دولة عربية سوى أنها «أداة» توظفها حسب حاجتها الوقتية ومتطلبات سياستها، وإلا فهي مشروع كما باقي العرب سيتضح مع الأيام المقبلة.

أزمة العرب مع قادة إيران تبدو أنها مستمرة كون أن هذا النظام لا يقبل التشارك مع العرب في أي مشروع للتنمية واستقرار المنطقة، لأنه في الأساس لا يعرف العمل في مثل هذه البيئة، فهو يعيش على الفوضى.

وبما أن أزمتنا مع هذا النظام حتى عملية تخريب قبالة ميناء إمارة الفجيرة، وكذلك استهداف المحطات النفطية والمواقع الاستراتيجية في السعودية، كانت غير مباشرة، فإنه خلال المرحلة المقبلة ربما تتسع وتكبر، وبالتالي ستكون مباشرة، لذا تكون قمتا مكة مناسبتين خليجية وعربية لوضع فهم مشترك حول الدور الذي يمثله هذا النظام وخلق أرضية سياسية وثقافية عربية موحدة يتفق عليها الجميع للتعامل مع إيران.

إن الفهم أو الوعي الذي نسعى له لا يعني تقديم العاطفة السياسية القائمة على التاريخ المشترك واللغة، حيث أثبتت مدى سلبيتها على النظام العربي، وإنما الفهم المبني على المصلحة الوطنية والمنطق السياسي، لأن العامل الوحيد الذي يدفع الجميع هو مواجهة الطموحات الإيرانية التي تهدد استقرار الأمن الوطني العربي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات