حرب باردة من نوع آخر!

هذه الحرب الباردة جديدة، ليس فقط لأنها بين الولايات المتحدة والصين بدلاً من تلك التي كانت بين واشنطن وموسكو؛ فهي ليست قائمة حتى الآن على سباق التسلح حتى ولو كان هناك بعض منه في منطقة بحر الصين الجنوبي.

لم تعد هناك قضية في أن الصين دولة لا تزال شيوعية اسماً، ويحكمها حزب واحد في مواجهة أمريكا الديمقراطية؛ فبعد انتخاب الأمريكيين لترامب فإن حكمة الأغلبية بات فيها شك. المسألة ربما يكون فيها تناول جديد للعلاقات الدولية كلها يقوم على من سوف يكسب في المستقبل، ومن سيكسبه هو الذي يحقق اختراقاً تكنولوجياً لم يسبق له مثيل، وهو الذي سوف يكون له التأثير الأكبر في حياة البشرية.

منذ عدد من العقود شاهدت فيلماً بعنوان «البحث عن النار أو Quest for Fire» لم تنطق فيه كلمة واحدة لأنه جرى في الأزمنة ما قبل القديمة عندما استوى الإنسان على قدمين، ووجد النار «طبيعية» في حرائق الغابات التي تسبب فيها البرق أو ارتفاع الحرارة، فكان عليه أن يحتفظ بجذوة من النيران في الكهوف لاستخدامها في إشعال النار وقت الشتاء. القصة بدأت بفقدان قبيلة بشرية هذه الجذوة فما كان عليها إلا أن ترسل جماعة منها للبحث عن الجذوة والعودة بها.

ما حدث لهذه الجماعة لا يهمنا الآن، ولكن ما يهمنا أنهم عثروا عليها، ومن وقتها نبتت الحضارة عندما بات الإنسان يعرف كيف يصنع النار حينما تتولد شرارة من احتكاك الحجر. كان ذلك قفزة حضارية هائلة غيرت من حياة الناس وطرق معيشتهم وعلاقة الذكر والأنثى التي خرجت من حالتها الحيوانية إلى الحالة الإنسانية التي كانت الرومانتيكية صورة منها.

ومنذ اختراع النار، والإنسان ينتقل من التقاط الثمار إلى الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية الأولى ثم الثانية فالثالثة وأصبحت على أبواب الرابعة، وهذه تحديداً هي جوهر الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

بقدر ما كانت كل ثورة صناعية وتكنولوجية تعيد ترتيب العلاقات الدولية من جديد فإن الثورة الجديدة تقوم على محاور «الذكاء الاصطناعي» و«الهندسة الوراثية أو التكنولوجيا الحيوية» و«هندسة الاتصالات»؛ والأهم من ذلك كله الجمع بين كل هذه التكنولوجيات في حزمة واحدة.

وبدون الدخول في كثير من التفاصيل، فإن الصين اهتمت مبكراً بهذه التكنولوجيات، ومن ثم بدأت في إحراز سبق فيها أو في بعضها علي أقل تقدير.

ولا شيء يضع الصين في المقدمة قدر تفوقها في صناعة الجيل الخامس أو G-5 للاتصالات الذي يمكن وصفه بأنه اكتشاف آخر للنار في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

فهذا النظام لا يزيد سرعة الاتصالات بأكثر من عشرين مرة من أسرع سرعاتها الحالية، وما زال الأمر قابلاً للزيادة، وإنما الأهم أنه لن يفعل ذلك فيما يخص اتصالات البشر وحدهم وإنما اتصالات الآلات والأنظمة ببعضها البعض.

إذا أضفنا هذه القدرات العظمي إلى ما جرى في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية فإن المحصلة هي ثروة من المعلومات والمعرفة بالبشر وإمكانيات التعرف عليهم وفحصهم عن بعد، واستخدام ذلك كله في تطبيقات لم تخطر ببال البشر.

جماعة الدارسين في العلاقات الدولية يعرفون «عقدة ثيوسيددس» وهذه مستمدة من حرب «أثينا» و«اسبرطة» في أزمنة قديمة، وأيامها فإن زيادة قوة «أثينا» دفعت «اسبرطة» للحرب معها؛ وفي عصرنا فإن زيادة قوة الصين بما ذكرناه لم يجعل هناك بد لدى الولايات المتحدة من المواجهة؛ ولما كانت الحرب النووية مستحيلة، فإن حرباً تجارية باردة سوف تفي بالغرض أو هكذا التصور في البيت الأبيض.

الولايات المتحدة التي لا تزال متفوقة في مناح شتى، تريد أن تستخدم فترة تفوقها في إعاقة حركة الصين، ومن ثم كان فرض الضرائب والجمارك على السلع الصينية، وتجميد المفاوضات الجارية لإصلاح حال التجارة بينهما، وفي الطريق إعاقة دور شركة «هواوي» الصينية من الانتشار في العالم.

الصين في جانبها هادئة، فهي الآن ترفع علم العولمة بمبادرة الحزام والطريق، وتطرق على مجالات التفوق الأمريكي في الفضاء بزيارة الجانب المظلم من القمر، ولا بأس من لسعة ترامب بوقف الصفقة مع كوريا الشمالية. ألم نقل أنها حرب باردة مختلفة؟!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات