ما بعد الذكاء الاصطناعي 4-4

ذكرت في الجزء السابق من هذا المقال الرباعي، أن المسار القادم لما بعد الذكاء الاصطناعي، سيفرض حالة من الوعي، تتسم بها الممارسة، وليس ارتجالاً، كما هو حال العالم الآن.

يفترض اقتصاد الذكاء الاصطناعي غاية جوهرية له، وهي تحقيق قيم المساواة والقضاء على الفقر، لكن إن تأملنا الوعي القائم والممارسة العامة، سنجد أنها ممانعة في تحقيق تلك القيم والغايات، وليست مستبعدة في السياقات الكلية، وذلك بسبب عدم الوصول إلى حالة القناعة والجدية الكاملة في التعاطي مع هذه الأدوات والوسائل والتكنولوجيا، فالممارسة العامة تذهب نحو عدم الجدية، لأنها تفرض تبعات لا بد منها لتحقيق حالة المشاركة في التعايش مع هذه البيئات الجديدة بكل معطياتها، مثلما تتعايش مع الموروث والكتالوجات القديمة التي تجدها في مناهج التعليم.

وهنا، سنجد أن عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، سيذهب نحو تحقيق ممارسة جدية وفاعلة، من حيث فرض تغيير كامل لمناهج التعليم، وفقاً للوسائل الجديدة، لكن هذه المناهج سيكون دورها بالضرورة استثمار الموروث والتراث، وسبل ذلك الاستثمار، وفقاً للوسائل الجديدة، وليس استبعاد التراث والموروث، فيكون الاقتصاد المعرفي من هذه الجهة، قد تحقق حين نفهم كيف نستغل معارفنا التراكمية عبر التاريخ، ثم نضيف إليها أفكاراً خلاقة، ومن خلال وسائل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تتحقق النفعية فيها، التي يعود ريعها على المستهلك وعلى المنتج.

إن كثيراً من المستهلكين لمعطيات الذكاء الاصطناعي، لم يستطيعوا بعد فهم طبيعة الاقتصاد المعرفي، من حيث هو طريقة جيدة لاستثمار معارفنا وثقافتنا وموروثاتنا في سبيل خلق منتج يسهم في ازدهار الاقتصاد وتعزيز موارده، ما يعود بنفعه على المجتمع، كما يسهم بفاعلية في القضاء على مظاهر الفقر، وتعزيز مظاهر المساواة في مستويات الدخل، دون الحاجة إلى أي ممارسة تتضمن الفساد، كما ساد في الأنظمة السابقة، مثل الوساطات والرشى.

وهنا سيحرص كل فرد على تحصيل أكبر قدر من المعارف، وتعلم الكثير من المهارات، بدلاً من الركون إلى الجهل والاعتماد على الشللية والعلاقات الاجتماعية، وما تفرضه من نفاق وتحيزات تضر بالمصلحة العامة للوطن، ولا تورث غير الجهل والفساد الدائم والظلم، ثم السعي للبحث عن مشاريع نضالية، كالثورات وغيرها، للخلاص.

هذه الأشكال الإنتاجية ليس بالضرورة أن تكون اختراعاً أو ابتكاراً مادياً، كما يتصور الكثير تجاه مسميات ومفاهيم ومصطلحات اقتصاد المعرفة، بل هي من الاتساع بحيث تشمل كل ما يمكن إنتاجه ويفيد الآخرين، ولو كان ذلك المنتج فكرة فقط، تضمن الحماية لها قوانين الملكيات الفكرية، التي يتجه عصر المعرفة بالضرورة نحو تعزيزها، وإن لم تظهر ملامحها الآن، فستكون ضمن أولويات ما يفرضه عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي.

ضمن غايات اقتصاد المعرفة، نجد غاية أخرى، وهي إنتاج أجيال مفكرة لها القدرة على التحليل والبحث والاستنتاج، وليس أجيال تعتمد على التلقين والحفظ والتفكير النقلي، والتي سادت في الماضي، كنتيجة طبيعية للوعي القائم على أن النجاح العلمي مرهون بنتائج الاختبارات، وهذه النتائج تقتضي الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تتجه نحو إجبار المتعلمين على طريقة الحفظ، وتلك المنهجية في أساليب التلقي فقط.

في حين أن جوهر العلم يكمن في القدرة على الممارسة النقدية بكافة أشكالها، وفي كل تفرعات العلم ومجالاته، والمشاركة في إنتاج المعرفة، من خلال منح الطلاب فضاء واسعاً من الحرية لممارسة علمية قائمة على التحليل وطرح التساؤلات والبحث والاستنتاج.

وفي هذه النقطة، نجد أن اللوائح العلمية قد جعلت هذه المهمة من مهمات التعليم العالي والأكاديمي، وحين نتساءل إذا كان الأساس كله يعتمد على الحفظ والتلقين الأبوي، فكيف يمكن أن يكون التعليم العالي مميزاً بحالة مغايرة عن هذه السياقات، ومنتجاً لمعرفة يمكن اعتبارها حقيقية، تشكل إضافة إلى المعرفة الإنسانية التي تثمر في الازدهار والرقي وخدمة البشرية.

وإن كان ولا بد، فليكن ثمة سقف للحرية في المراحل الأولى للتساؤل أكثر اتساعاً مما هو للتلقي القائم على التفكير النقلي، وبالتدرج يحصل التمكن من امتلاك أدوات النقد وممارسته مبكراً، في سبيل التمكن من خلق وإنتاج معرفة لا تقتصر فقط على المستويات الأكاديمية في التعليم، لأن الركون إلى منهجية الحفظ والتفكير النقلي، لا يخلف إلا أجيالاً مصابة بشلل ذهني.

كما سنجد أن الممارسة الواعية في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، ستفرض فهماً مغايراً لمعنى اقتصاد المعرفة، من حيث إن التصور الحالي يفترض فهماً في ممارسته، قائم على الوعي المادي وتحقيق الربحية، وهو ما شكّل فجوة كبيرة بين سماحة هذا النوع الاقتصادي وغاياته الإنسانية، وبين الوعي القائم بناء على هذه الممارسة.

وقد سوغ هذا التصور لكثير من المستثمرين، الاستثمار في قطاعات التعليم بكل أشكاله، وفقاً لاعتبارات الربح والتكسب.

باعتبار أن تأسيس مؤسسة تعليمية مدرسية أو أكاديمية، هو شكل اقتصادي معرفي، أي ممارسة تجارية ليس لها علاقة بإنسانية المعرفة، والأدهى، هو وعي القائمين في المؤسسات المسؤولة، عن تراخيص إنشاء مثل هذه المؤسسات والمرافق، فيتم منح التراخيص والتسهيلات إلى أبعد حد، بعيداً عن أي مسؤوليات تفرضها هذه الجهات على مثل هذه الاستثمارات، من حيث المادة المالية المفروضة على الطلاب للالتحاق بها، ثم إنها من جهة أخرى تسهم في صناعة الجهل والفقر بلا رحمة، من حيث تفترض في نتائج الاختبارات معدلات خاصة، هي في الأغلب عالية، يجب على الطلاب تحقيقها للالتحاق بالمؤسسات التعليمية الحكومية ذات التكلفة الأقل، ما يجعل الطلاب يتجهون نحو الغش أولاً، ونحو المدارس الخاصة، ونحو الاستهتار عموماً في اكتساب العلم والمعرفة. وللحديث بقية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات