عن مزدوجي الجنسية في إسرائيل

طالب رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، الدول الأجنبية بسحب جوازات السفر من مواطنيها المقيمين بالمستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بشأنهم، بعد الكشف عنهم. وذلك على اعتبار أن «وجودهم غير شرعي، ومخالف للقانون ومواثيق حقوق الإنسان، والمعاهدات الدولية ذات الصلة، وفي طليعتها اتفاقية جنيف الرابعة».

هذا المطلب ليس جديداً تماماً، إذ سبق أن أثيرت قضية اشتراك الجنود الصهاينة من مزدوجي الجنسية، في كل الموبقات والمحرمات التي يمارسها جيش الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني عامة. وكان المطروح في هذا الإطار، أن تتولى الدول المعنية إخراج مواطنيها من مسرح الصراع، كحد أدني، وأن تحاكمهم على انتهاكاتهم وجرائمهم، كحد أقصي.

تجديد هذا المطلب راهناً، يوحي بإمعان النظر في ردف أدوات المقاومة الشعبية (المدنية)، التي راحت الحركة الوطنية الفلسطينية تشدد على اعتمادها خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

ونحسب أن العمل جدياً على التواصل مع الكيانات الدولية، للحجر علي قطعان المستوطنين الذين ينتمون إليها بالجنسيات وجوازات السفر، والإصرار علي كف أذاهم، جهد يتسق ويتكامل مع أنشطة مقاطعة إسرائيل عالمياً، التي تجري على صعد أخرى، اقتصادياً ومالياً وأكاديمياً وعلمياً وعسكرياً ونحو ذلك.

هذا يعني، أن تجلية المخاطر الناجمة عن ممارسات مزدوجي الجنسية من المستوطنين، والتعريف بالانتهاكات متعددة الأنماط الموصولة بوجودهم في إسرائيل، لا تقل أثراً عن توضيح جرائم الجنود والضباط المشابهين. جرائم المزدوجين هنا، تبقى واحدة، وإن تعددت أشكالها.

لنتذكر، مثلاً، كيف كان المجرم باروخ غولدشتاين، حامل الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية، وصاحب مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994، نموذجاً للمستوطن القاتل، وكيف أن حركة الاستيطان والمستوطنين يعتبرونه قديساً، وقد شيدوا له مزاراً يخلد سيرته السوداء.

تجدر الإشارة أيضاً إلى ما يمثله هؤلاء المزدوجون من مخاطر، تتجاوز الساحة الفلسطينية إلى الرحاب العربية والإقليمية الواسعة. وذلك باستغلال جوازات السفر غير الإسرائيلية في التنقل والانتشار بسهولة، وممارسة أعمال التجسس أو الاغتيال، أو بث الفتن في هذه الرحاب.

هذا دون استبعاد تأثيراتهم السلبية داخل دولهم الأم، بفعل تغليب ميولهم لإسرائيل، ومنحها الأولوية، في لحظات التعارض والخلاف مع هذه الدول.

لا يدور الحديث هنا عن شريحة محدودة من حيث الكم والكيف. ففي استطلاع أجري عام 2016، لصالح قناة التلفزيون الإسرائيلي الثانية، ثبت أن 17 % من الإسرائيليين لديهم جوازات سفر أجنبية، فيما عبر 56 % عن رغبتهم في حيازة مثل هذه الجوازات.

كما تأكد أن ألفاً من المزدوجين يلتحقون سنوياً بالخدمة العسكرية الإلزامية في إسرائيل. وليس بلا مغزى على سوءات هذه الظاهرة، أن أسير المقاومة الفلسطينية جلعاد شاليط، كان يحمل الجنسية الفرنسية.

وقد شاركت باريس في مفاوضات إطلاق سراحه، وكان الأولى أن تشكل هذه الواقعة فضيحة بحق الدولة الفرنسية، لأن أحد مواطنيها يشارك في قتل الفلسطينيين، ويعزز قوة الاحتلال والقمع الإسرائيلية في فلسطين.

حقيقة وجود الجنسيات المزدوجة لدى شريحة كبيرة من المستوطنين المستجلبين، الذين أغواهم المشروع الصهيوني، تتصل بالإجابة عن سؤال استراتيجي، يراود بعض المهتمين، وهو ما مصير سكان إسرائيل في حال فشل هذا المشروع؟..

القصد هنا، أن لمعظم هؤلاء السكان دولاً أماً ما زالوا يستحوذون على مواطنتها وبطاقات هويتها، ويمكنهم الارتداد إليها واللوذ بها مباشرة وقت اللزوم. وقد لا يعلم كثيرون أن بعض الدول الأوروبية، راحت تفتح أبواب الحصول على جنسيتها لليهود عموماً، لأسباب تتعلق بما يوصف بالتعويض عن أخطاء الماضي.

يحدث هذا بشروط ميسرة لا يصعب توفرها. يقول أحد المحامين المتخصصين في قوانين المواطنة بأن «ثلاثة ملايين إسرائيلي بوسعهم التجنس بالإسبانية والبرتغالية، وفقاً للشروط المتاحة حالياً. وهناك نصف مليون إسرائيلي آخرين، يمكنهم الحصول على جواز سفر بولندا ولاتفيا وألمانيا، بمجرد إثبات أن الأهل أو الأجداد سكنوا في تلك البلدان قبل الحرب العالمية الثانية».

هذه المعطيات تمهد أرضية فلسفية وفكرية وحقوقية مواتية، للتعامل مع ملف مزدوجي الجنسية، وغيرهم من المستوطنين الصهاينة، بروح إيجابية تبشر بنتائج واعدة. ونحسب أن كل المطلوب بهذا الخصوص هو إيلاء هذا الملف مزيداً من الاهتمام، على سلم أولويات النضال القانوني والسياسي والدبلوماسي والإعلامي، المدني بصفة عامة، فلسطينياً وعربياً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات