زايد.. هوية شعب ووطن

يأتينا رمضان المعظم يحمل معه عبقاً وروحانية خاصة يمتد شهراً — ليته دهراً. فهذه الأيام الفضيلة الزاخرة بالعبادة والعطاء والخير الكثير تحمل معها ذكرى القائد الفذ الذي رحل عن دنيانا في 19 رمضان 1425هـ إلى رحمة ربه، حينها ران صمت رهيب في أصقاع الدنيا.

وبات الإماراتيون ثَكَالىَ بفقدان الوالد والقائد والمعلم والذي نحسبه، بإرادة البارئ، في جنات الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وبهذه المناسبة الجليلة قرأت كتاباً ألفه الدكتور سلطان النعيمي، الباحث والأستاذ الجامعي والإعلامي المعروف، بعنوان «زايد: هوية شعب ووطن». ويرى الكاتب أن زايد ليس قائداً ومؤسساً لهذه الدولة وحسب، بل أن هوية الإمارات تتجسد في شخصيته والقيم التي تبناها ودعا إليها.

ويأتي الكتاب كدراسة «لوضع الإطار العلمي المنهجي للوصول إلى أن الشيخ زايد في واقع الأمر بات في حد ذاته هوية لدولة الإمارات وشعبها بكل ما تحمله تلك الهوية من قيم ومبادئ وسلوك سامٍ».

ويضيف الكاتب إن عبارة «عيال زايد»، وهي كنية يتباهى بها أبناء الإمارات، أصبحت العنوان العريض الذي يتصف بها مواطنو الدولة ويصف بها الآخرون أبناء الإمارات.

وبذلك تتحقق فيها مفهوم الهوية والتي لا تتعلق بفهم الذات فحسب، بل بفهم الآخرين لهذا الشعب. «فالهوية ذات معنى مزدوج: فهي داخلية بمقدار ما نعتقد حول هويتنا، وخارجية تتعلق بالطريقة التي يرانا فيها الآخرون».

ويصبو الكاتب إلى الوصول إلى فهم من خلال سياق التجربة الإماراتية لصياغة الهوية الوطنية من منظور أن الشيخ زايد يمثل هوية شعب ووطن. وقد استشهد الكاتب بالباحث بيتر كوزن حول مفهوم «الهوية اللاشعورية» والتي تدور في خلجات الأفراد والجماعات وتصيغ تعاملهم مع الآخرين.

وبالتالي يكون الإحساس بالهوية بديهياً كاستنشاق الهواء. وهكذا، كما يقول الكاتب، تسري الهوية في عروق الشخصية لأبناء الإمارات المسرى المتمثل بالشيخ زايد.

وعبارة عيال زايد ما هي إلا استشعار للهوية الجمعية التي توحد أبناء الإمارات وتربطهم بدولتهم، رغم الهويات الصغيرة المتمثلة في التنوع الجغرافي والقبلي والطائفي، بل وحتى المشارب الفكرية المتعددة لأبناء الوطن الواحد. وتختزل هذه الهوية ما مثله الراحل الكبير من قيم ومبادئ ودعائم أرساها زايد في دولة جمعت مجموعات متفرقة من أبناء المنطقة كانت متناحرة إلى فترة قريبة.

ويضيف كاتبنا ان هوية زايد الشاملة تصب في «الجهود التي تعمل على تعميق الشعور بالانتماء للوطن بأبعاده المختلفة لدى الأفراد، أو بمعنى آخر العمل على استمرار حالة الانجذاب الدائم للوطن».

وتكمن أهمية موضوع الهوية والتي تدثرت بشخصية زايد الكاريزمية بموضوع غاية في الأهمية لجهة بناء دولة الاتحاد وإعطائها صبغة تتميز بها وتتعامل بها مع الدول الأخرى الإقليمية والدولية.

ودور الدولة في توحيد المجتمع يدفع إلى لعب دور مهم في تعزيز الهوية الوطنية والتي اكتسبها المجتمع الإماراتي مع تشكيل كيان جديد يجمع فيها شتات الأقوام والهويات ويصهرها في بوتقة الاتحاد دون إلغاء التنوع والتميز على مستويات مختلفة والتي كان الآباء المؤسسون واعين لها في اختيار النظام الفيدرالي بدلاً من الوحدة الاندماجية.

ويتطرق الكاتب إلى مسألة مهمة جعلت من زايد متفرداً في إضفاء شخصيته على الهوية الوطنية حتى باتت صنواً للشيء نفسه. وكان لقيادة زايد الكاريزمية أثر كبير في مدى تفاعله مع أعضاء المجتمع، والذين يستجيبون لدعواته دون إكراه، بل لأنه محط إعجاب وتأثير دون غيره من الشخصيات.

ولكن الشيخ زايد كان يختلف عن كثير من القيادات الكاريزمية من ناحية مهمة. فكل القيادات التاريخية مثل نهرو وعبد الناصر ومانديلا قادوا دولاً كانت مؤسسة ولها بنية حقيقية في مجتمعاتهم، ولكن في حالة الشيخ زايد فإنه أسس لدولة لم تكن موجودة.

ولم تكن بنيتها واضحة المعالم. بل إن الدولة المزمع قيامها لم تكن لها من أساسيات البنية التحتية الضرورية، سواء أكانت مادية أم معنوية، لنهوضها. ولعل هذا الفارق المهم هو الذي أسبغ به الشيخ زايد شخصيته على هوية الدولة وشعبها.

ويرى الكاتب أن الهوية أيضاً اختزال لقيم معنوية ومبادئ سامية والتي تحلت بها شخصية الشيخ زايد، وكذلك رؤى وفكر في مجالات عدة اجتماعية وسياسة واقتصادية وثقافية. ويقسم الكاتب هذه القيم إلى شخصية وإلى مبادئ وفكر.

وتتمثل الصفات الشخصية للراحل الشيخ زايد في البر بالوالدين والمحافظة على الأسرة ووحدتها والشجاعة والمثابرة والعدل والرحمة والإيمان القوي بالله سبحانه وتعالى واتباع سنة نبيه، صل الله عليه وسلم، والاعتزاز بالتراث والماضي العريق، وحب الوطن.

أما بخصوص القيم والمبادئ الفكرية فإن الشيخ زايد يرى بناء الإنسان مقدماً على كل الأمور في الوطن. ويستشهد الكاتب بالشيخ محمد بن زايد حين قال «الكثير سمع ما هي أولويات الشيخ زايد في الحياة، والحقيقة أن العنصر البشري يعد العنصر الأساسي في حياة الشيخ زايد، إدراكاً منه لقيمة هذا الأمر».

وفي سلسلة التفكير الاستراتيجي للشيخ زايد ما يتعلق بالتقدم العلمي ورعاية الشباب والذين هم مستقبل الوطن. كما أن دور المرأة في المجتمع حظي باهتمام كبير في فكر الشيخ زايد على أساس أنه عنصر بشري يلعب دوراً في المجتمع.

لا يسع المجال هنا لعرض كل ما جاء في الكتاب، ولكن عبارة واحدة وردت في الكتاب تختصر كثيراً من محتواه «لم يكن زايد فينا واحداً، بل هو الأمة حين النوب».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات