تصاعد حربي وسياسي في الخليج

بطلب أمريكي وموافقة عدد من دول مجلس التعاون ستعود القوات الأمريكية للانتشار في مياه الخليج العربي وعلى أراضي بعض هذه الدول وذلك لردع إيران والجماعات المسلحة التابعة لها من التعرض للمصالح الأمريكية ولمصالح أي من هذه الدول وليس للدخول في حرب معها.

ولم يكشف النقاب عن حجم هذه القوات، وكانت قد تسربت قبل ذلك معلومات عن خطة أعدت من قبل البنتاغون لمواجهة إيران تتطلب إرسال مائة وعشرين ألف جندي، غير أن أحدث الأرقام تشير إلى البنتاغون يسعى لارسال ما يتراوح بين 5000 -10000 جندي.

وقد سبق للولايات المتحدة في سياق التصدي للتحديات الإيرانية أن أعلنت عن إرسال حاملة الطائرات إبراهام لنكولن مع الطاقم المرافق من سفن اللوجستيات والمدمرات مع أربعة قاذفات ثقيلة من طراز بـ 52 مع بطارية باتريوت المضادة للصواريخ وسفن برمائية.

فقد توافر لدى الولايات المتحدة معلومات مؤكدة عن طريق الصور والتحريات الجنائية التي حصل عليها خبراؤها الذين أسهموا في التحقيق بالأعمال التخريبية التي طالت أربع ناقلات نفط أمام سواحل الإمارات وطالت كذلك محطتين لضخ النفط في السعودية بأن لإيران أو توابعها صلة بها.

ويأتي هذا الإجراء في أجواء التوتر المتصاعد والمتسارع في الأزمة الأمريكية الإيرانية على قاعدة تكثيف العقوبات الأمريكية على إيران والمعلومات الاستخبارية التي أعلنت واشنطن عن الحصول عليها حول تهديدات أمنية وشيكة للمواقع والمصالح الأمريكية في المنطقة وهي كثيرة، حيث قلصت وفق ذلك طاقم سفارتها في بغداد وقنصليتها في أربيل وأخلت الفنيين العاملين في حقول النفط التي تديرها شركة أكسون موبل في جنوب العراق.

للولايات المتحدة اثنا عشر شرطاً لإعادة تأهيل إيران عضواً مقبولاً في الأسرة الدولية، قبول هذه الشروط من جانب طهران ينهي طموحاتها للهيمنة وأحلامها الإمبراطورية بشكل كامل. الولايات المتحدة ماضية بكل حزم عبر العقوبات المسلطة على إيران وعبر تكثيف الوجود العسكري في محيطها الجغرافي على إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق هذه الشروط هو ما ترفضه إيران حتى الآن، حيث ورد على لسان الرئيس روحاني في لقائه مع مجموعة من المثقفين في الثامن عشر من مايو الجاري «لسنا جاهزين لمثل هذه المفاوضات حتى لو وقفت كل قوى العالم أمامنا».

من السابق لأوانه التنبؤ بتفاصيل مسارات الصراع وليس مآلاته النهائية التي لا تقبل الشك وهو انكفاء إيران وتدهور أوضاعها تدريجياً في حالة رفض التفاوض أو الانهيار السريع للنظام وللدولة معاً في حالة المواجهة المسلحة المباشرة. ولكن سيناريو هذه النهاية أو تلك يعتمد إلى حد كبير على طبيعة الصراع الدائر داخل المؤسسة الإيرانية نفسها في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ إيران. ففي الوقت الذي تعلن فيه إيران رسمياً أنه لا تفاوض ولا حرب مع الولايات المتحدة هناك أصوات خافتة تنادي بالتفاوض وأخرى شعبوية مرتفعة تصدر عن قيادات الحرس الثوري تطالب برفع سقف التحديات، مستهينة بقدرات النظام السياسي في الولايات المتحدة، مشبهة إياه ببرجي التجارة العالمية اللذين انهارا تحت ضربة مفاجئة.

وللتكامل مع هذه الاستعدادات العسكرية دعت المملكة العربية السعودية على لسان خادم الحرمين لعقد قمتين طارئتين خليجية وعربية في الثلاثين من مايو الجاري في مكة على خلفية التخريبات التي تعرض لها قطاع النفط الخليجي في الحادثين اللذين أشرنا إليهما.

قمتان تسبقان بيوم واحد القمة الإسلامية التي ستعقد في الحادي والثلاثين من مايو الجاري في مكة أيضاً في محصلة مخرجاتها في صالح هدف واحد، فهي مع بعضها تظاهرة سياسية خليجية - عربية - إسلامية تتبنى أطروحة الدفاع عن أحد المبادئ الأساسية التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة وهو احترام حقوق الشعوب في السيادة على أرضها وعلى ثرواتها وعدم السماح لدول أخرى بتهديد أمنها وخرق هذه الحقوق ومصادرتها. تظاهرة سياسية واسعة ضد إيران ومشاريعها التوسعية التي عملت على زعزعة أمن واستقرار المنطقة على مدى أربعة عقود من الزمن.

هذا في الوقت الذي تقف فيه إيران في مواجهة هذا الحشد المناطقي المدعوم دولياً في عزلة سياسية دولية على جميع المستويات أمام مخاطر خلقتها لنفسها بسبب سياسات رسمتها قيادات ثيولوجية بعيدة كل البعد عن القدرة على تفهم سمات العصر ومتطلبات العيش فيه.

 

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات