هل المنطقة على كف عفريت؟

تلفت مسيرة التطورات السياسية والإعلامية المتبادلة والمتصاعدة بين الإدارة الأمريكية ونظام الملالي في إيران، اهتمام العديد من الرأي العام أكثر من المراقبين رغبة في معرفة مستقبل ما يمكن أن يحصل بين ترامب والمرشد، باعتبارهما أصحاب القرار النهائي في إعلان الحرب من عدمها.

والسؤال الأكثر تكراراً، حالياً، بين الناس يدور حول ما تعنيه هذه التهديدات، وما يمكن أن تمثل حاملات الطائرات الأمريكية القادمة إلى المنطقة، وهل هي فقط من أجل «التهويش» على إيران وإخافتها دون أن تطلق ولو رصاصة واحدة تبرر سبب مجيئها إلى المنطقة، بل النقطة الأكثر وضوحاً هي عدم وجود تجانس بين سحب الرئيس ترامب لقوات بلاده من المنطقة وتقليص عدد الجنود الأمريكان خارج بلادهم وبين الإعلان عن حالة حرب، ما يزيد من حيرة الناس.

من السهل لمن يسترجع ذاكرته أن الموقف السياسي للنظام الإيراني في تعامله مع الإدارات الأمريكية أو مع إسرائيل على مدى العقود الماضية هو عبارة عن صورة مستنسخة وتتكرر كل مرة، وأعتقد أنه لن تخرج تلك الصورة النمطية عن المرات السابقة وهو تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي إلى درجة يعتقد البعض أن الحرب ستحدث في أي لحظة، لكن بالتفسير حسب خبرة التعامل الإيرانية والمعرفة بطبيعة هذا النظام فإن هذه اللغة العالية الصوت هي تعبر عن حجم القلق وحالة الارتباك الذي يعيشه هذا النظام، وهي لا تعني في أساسها أنها رافضة للدخول في القبول بالشروط الأمريكية رغم حدتها وقسوتها التي يمكن أن تتسبب في أزمة حقيقية داخلية مع الشعب وربما خارجية مع حلفائها الذين «يعتاشون» على أموال هذا الشعب الإيراني.

بالتأكيد أن هناك بدائل عن الحرب الشاملة أو المواجهة الصريحة بين الطرفين اللذين يدركان حجم الخسائر الناتجة من أي مواجهة بينهما وخاصة ضد النظام الإيراني الذي سيعني سقوطه وفقدان شرعيته، ففي حين أن البدائل الأمريكية تتمثل في العقوبات الاقتصادية الناجحة في «إيلام» النظام الإيراني ووجعه، لذلك فإن صريخهم العالي يمثل قدر الألم الذي يعيشونه وهو بديل - العقوبات الاقتصادية - رخيص ونافع بالإضافة إلى تحريك الفوضى في الداخل الإيراني ضد النظام، في مقابل ذلك.

فإن البدائل الإيرانية لاستعراض قوتها في المنطقة إما من خلال لغة التهديد التي يجيدها قادة الحرس الثوري أو استخدام الميليشيات التي يقودها قاسم سليماني قائد فيلق القدس وهي مفعولها لن يكون طويلاً نتيجة لصعوبات التمويل وكذلك دقتها.

ثم إن البيئة الدولية ممثلة في الأوروبيين، فإنهم لن يتركوا الأمر يصل إلى حد المواجهة، فهم يدركون أبعادها إلا في حالة تهور النظام الإيراني وهنا ربما يتحد العالم ضد قادة طهران، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا والصين اللتين لديهما مشاريعهما السياسية في المنطقة، ويهمهما عدم حدوث مواجهة عسكرية مباشرة، وبالتالي فإن استبعاد سيناريو الحرب هو الأقرب إلى الواقع والمنطق بغض النظر عن الزعيق الإيراني.

هذا كله لا يعني أن المنطقة الخليجية والعربية هي في مأمن استراتيجي من أي تهديدات مجهولة المصدر، أو هكذا يبدو لمن لا يدرك حقيقة ألاعيب الحرس الثوري، أو يحاول أن يتجاهله بقصد، فالذي حدث قبالة ميناء الفجيرة الأسبوع الماضي وكذلك في السعودية من عمليات تخريبية دليل على أن النظام الإيراني ليس لديه القدرة على المواجهة الصريحة والظهور بأنه لديه القدرة وأيضاً دليل على محاولة بث الخوف والقلق للدول الخليجية وهو أسلوب العصابات أكثر من أن تكون دولة، أما مسألة المساس بالملاحة الدولية وتهديد السفن الناقلة للنفط فإن هذا يضعها أمام تحدٍ دولي، ويضع النظام الإيراني نفسه أمام القانون الدولي، وستكون له تبعات عليه، إن لم يكن حالياً فسيكون عندما تتاح الفرصة في وقت لاحق.

النظام الإيراني برغم كل ادعاءاته الأيديولوجية والدينية والشعارات العنترية الفارسية، والتي أحياناً يضمنها مفاهيم وطنية إلا أن مسألة أن ينقلب عليها ويحرك فكر مصلحة النظام أمر وارد، لأن الغاية في النظام الإيراني تبرر الوسيلة، خاصة إذا أدرك أنه سيسقط، إلا أنه يبقى أنه على الدول الخليجية والعربية عدم الرهان على أي طرف في الحفاظ على استقراره وأمنه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات