حرب تجارية تنذر بحرب ثقافية

التصعيد في الحرب التجارية بين أمريكا والصين يطرح التساؤلات حول تأثيراته المحتملة ليس فقط على الاقتصاد العالمي، وإنما على إمكانية أن يأخذ التوتر بين البلدين بعداً ثقافياً.

فبعد فشل جولة المفاوضات التي كان متوقعاً أن تسفر عن التوصل لاتفاق تجاري بين البلدين، رفعت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي التعريفة الجمركية المفروضة أصلاً على سلع صينية قيمتها 200 مليار دولار من 10% إلى 25%.

وقد أعلن الرئيس الأمريكي أنه يدرس فرض التعريفة الجمركية نفسها على المتبقي من سلع تصدرها الصين لأمريكا وتبلغ قيمتها 350 مليار دولار. وقد ردت الصين بالمثل، فأعلنت أنها تفرض تعريفة جمركية قدرها 25% على صادرات أمريكية للصين قيمتها 60 مليار دولار.

وقد أثارت تلك القرارات قلقاً دولياً واسع النطاق، عكس نفسه مباشرة على الأسواق، لكنها سرعان ما تعافت، على الأقل بصورة وقتية. لكن ذلك التعافي لم يخفف من حدة القلق الدولي.

فمن اليابان للاتحاد الأوروبي، يخشى السياسيون والمراقبون من أن استمرار تلك الحرب التجارية لفترة قادمة قد يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي بل وربما يؤدي لانقسام العالم لكتلتين اقتصاديتين كبيرتين، يكون على دول العالم في لحظة تاريخية بعينها الاختيار بينهما.

فرغم أن تلك التعريفات، الصينية والأمريكية، لن يتم العمل بها إلا في بداية يونيو المقبل، فإنه لا توجد مؤشرات إيجابية تدل على احتمال نزع فتيل الأزمة على الأقل حتى لقاء القمة بين الرئيسين الصيني والأمريكي في قمة العشرين المقرر انعقاده باليابان نهاية يونيو.

فرغم اختلاف الروايتين الصينية والأمريكية بشأن أسباب انهيار المفاوضات بينهما، فالواضح أن الموقف الصيني كان قائماً على ضرورة حل المشكلات بطرق ودية ورفض ما وصفه «بالإملاءات» الأمريكية والإصرار على أن ينص الاتفاق على تغيير القوانين الصينية.

أما الموقف الأمريكي، فكان يهدف للضغط بكل قوة على الاقتصاد الصيني من خلال فرض التعريفات الجمركية من أجل دفع الشركات العاملة في الصين دفعاً لتركها إلى دول أخرى.

وقد عبر الرئيس الأمريكي بنفسه صراحة عن ذلك المعنى حين صرح على تويتر قائلاً إن «الشركات التي ستنطبق عليها التعريفات سوف تترك الصين إلى فيتنام ودول آسيوية أخرى». لذلك، من الصعب لهذين الموقفين الالتقاء حتى في قمة الرئيسين لأن كلاً منهما لديه أسبابه الداخلية التي لا يريد معها الظهور بمظهر المنصاع لضغوط الآخر.

لكن الحرب التجارية الممتدة بين البلدين لن تكون لها تأثيراتها فقط على الاقتصاد العالمي، وإنما قد تؤدي بالتوتر بين البلدين لأن يأخذ شكل الحرب الباردة الثقافية، وهو ما بدا في تصريحات خطيرة للطرفين.

ففي خطاب ألقاه أخيراً، هاجم الرئيس الصيني، دون أن يذكر الولايات المتحدة بالاسم، «دعاوى الصراع الحضاري» والتفوق العرقي. فهو قال إن «الاعتقاد بأن ثقافتك وعرقك هما الأكثر تفوقاً ثم السعي لتغيير الحضارات الأخرى أو أن تحل محلها هو غباء في الفهم وكارثة في الممارسة»، مؤكداً أنه «لا يوجد صراع بين الحضارات المختلفة إذ لا يحتاج المرء سوى لعيون ليرى الجمال في كل الحضارات».

وقد كان واضحاً أن كلمات الرئيس الصيني جاءت رداً على تصريحات أدلى بها كايرون سكينر مسؤول السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية وأثارت غضباً صينياً واسعاً حين أشار إلى أن الصين هي «أول منافس قوي للولايات المتحدة لا ينتمي للعرق القوقازي».

وقد أثارت الجولة الأخيرة من فرض التعريفات الجمركية المتبادلة بين البلدين النعرات القومية في الصين وبدا الإعلام الصيني لأول مرة مستنفراً ومعتبراً أن ما يجري «تهديداً للصين كلها» و«حرب الشعب» الصيني برمته.

ورغم أن التصعيد صار يأخذ ذلك البعد الثقافي الخطير، فإن الأرجح ألا يأتي تفكيك الأزمة من مائدة المفاوضات بقدر ما قد يأتي من ضغوط الداخل الأمريكي نفسه.

فليس خافياً أن القطاع الأمريكي الأكثر تضرراً من الحرب التجارية بين البلدين هو قطاع المزارعين الأمريكيين الذين تأثرت بالفعل صادراتهم للصين وسوف تزداد تأثراً بالتعريفات الجمركية الجديدة. وهو قطاع شعبي حيوي ليس فقط بالنسبة لإعادة انتخاب ترامب، وإنما لاحتفاظ حزبه بالأغلبية في مجلس الشيوخ.

فالولايات والدوائر الزراعية من معاقل الحزب الجمهوري التقليدية الذي يبني استراتيجيته في انتخابات 2020 الرئاسية والتشريعية على أساس المزايا التي تحققت لذلك القطاع وغيره من الخفض الضريبي الهائل الذي تم إقراره في 2018. لكن مراكز بحثية منتمية للحزب الجمهوري أكدت أن تلك التعريفات الجديدة ستأكل أكثر من 25% من تلك المزايا.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم يتعلق بإمكانية أن تؤتي ضغوط الداخل الأمريكي أثرها قبل لقاء الرئيسين الصيني والأمريكي في قمة العشرين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات