الذهاب الجديد إلى القمر!

قد يكون كوكب الأرض مزدحماً بأخبار الاستعدادات للحرب بين الولايات المتحدة وإيران؛ ويضرب البشر من سكان الكوكب أخماساً في أسداس لمعرفة «صفقة القرن» في الشرق الأوسط، متحسبين من تأثيرات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين؛ ومتسائلين عما إذا كانت الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا سوف تعود مرة أخرى؛ أم أن العالم تغير ولا رجعة في تاريخ تغير؟

ولكن الجاري حالياً هو عودة الاهتمام بالقمر مرة أخرى، ولم يكن ذلك نتيجة قيام دول بجولات استطلاعية جديدة على الجانبين المنير والمظلم كما فعلت الصين وإسرائيل، وإنما الإعلان الرسمي من قبل «جيف بيزوس» صاحب الشركة العملاقة «أمازون» عن قيامه بالاستعداد لإرسال مركبة إلى القمر في عام ٢٠٢٤ لكي تبدأ بناء المستعمرات فيه؛ أي أنها لن تكون زيارة خاطفة مثل تلك التي قام بها الأمريكي «نيل ارمسترونج» في عام ١٩٦٩، وإنما هذه المرة سوف يكون للبقاء والاستعمار، نعم الاستعمار، الذي لن يكون لأمم، وإنما لكويكب قريب تابع لكوكبنا العظيم.

لم يعد الأمر رحلات إلى المدارات القريبة، ولا هي المحطة الفضائية الدولية التي شاركت فيها ١٦ دولة من دول العالم وتقوم بالبحوث العلمية في مدار قريب؛ وإنما المسألة هي الذهاب والعيش والاستكشاف والاستغلال للموارد الطبيعية والخدمات التي يمكن تقديمها من بيئة لا تشغلها «الجاذبية»، وليس فيها شرق وغرب، ولا أديان ومذاهب متصارعة، اللهم بالطبع إلا إذا قام الإنسان بنقل كل ذلك إلى هناك.

كما فعلها الإنسان من قبل، فقد كان العالم الجديد في الأمريكتين ساحة لنقل تقاليد الصراع بين البروتستانت والكاثوليك، والعبودية، وأمراض العالم القديم من الجدري إلى الجذام إلى السكان الأصليين للأرض الجديدة. هذه المرة لن يكون هناك ذنب ولا معصية، حيث لا يوجد سكان أصليين، هو عالم جديد بحق كل الجدة.

كنت مع جيلي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية من المحظوظين الذين شاهدوا تجارب جديدة للإنسانية، ومن أهمها اختراق حاجز الكرة الأرضية إلى الفضاء. ورغم أن الطريق إلى هذه المرحلة ربما بدأ قبل عصور خلت عندما اكتشف «كوبرنيكس» كروية الأرض، وأعقبه جاليليو، الذي مشى على طريقه وعندما ضغطوا عليه لكي يقر أن الأرض منبسطة وساكنة فإنه همس بالقول الشهير: و«لكنها تدور»!.

كان لابد لهذه الحقيقة أن تكون فاتحة على المعرفة حتى يأتي إينشتاين بنظرية «النسبية» لكي يأخذ بالنتائج إلى نهاياتها المنطقية، فيعطينا التصور عن الكون الذي نعيش فيه وما يفضي إليه من ثقوب سوداء تبعد عنا ملايين أو مليارات السنوات الضوئية.

لم تعد السماء مكاناً لتعليق «ثريات» و«قناديل» وإنما لدوران نجوم وكواكب؛ ولا باتت حالة رومانسية للشعراء والعشاق، وربما كانت المفاجأة للمنتظرين للقمر «على الباب» أن القمر ما هو إلا تكوين صحراوي بلا ماء ولا هواء، وهو ما لا يعني شيئاً أكثر من الموات والجدب. إلا أن ذلك هو تفكير العاديين من بني البشر، أما هؤلاء غير العاديين فإن لهم تفكير آخر.

المعروف أن «جيف بيزوس» هو أغنى أغنياء الأرض، ثروته بلغت ١٣٥ مليار دولار، لم يصل إليها من سرقة «فائض القيمة»، ولكنه جاء إليها من القدرة التنظيمية الفائقة لنقل السلع والبضائع ما بين المنتج والمستهلك في أركان الكرة الأرضية.

كان «بيزوس» المؤسس لشركة «أمازون» التي كانت الشركة الثانية بعد «آبل» التي تجاوزت قيمتها «تريليون» دولار. الرجل أسس شركة تابعة وسماها «الأصل الأزرق» وهذه أنتجت مركبة «القمر الأزرق»، وبالتزام قدره مليار دولار للشركة كل عام صار صاحبنا بوسعه القول «لقد حان الوقت لكي نعود إلى القمر وهذه المرة لكي نبقى». والبقاء سوف يبدأ بنقل معدات وزنها أطنان، وتبدأ عملية بناء قاعدة للعيش.

هذه القصة بدأت أولاً في روايات وأفلام الخيال العلمي، وفي العادة لم يكن الفضاء موحشاً فقط، بل وحشياً كذلك؛ ولكن الفكر العلمي كان أكثر سرعة في تخيل ما يمكن حدوثه، وكان طموح شركة «تسلر» كبيراً، فبدأت في تصور الوصول إلى المريخ؛ وربما كان فيلم «المريخي» أقرب الصور عما يمكن أن يحدث؛ ولكن صناعة «بيزوس» في الأساس هي تحويل الأحلام والخيالات إلى حقائق، موعدنا ليس بعيداً هي ليلة وضحاها ٢٠٢٤!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات