دولة ضد التاريخ

حقائق ومعطيات كثيرة توجب الاعتقاد بأن الكيان السياسي الصهيوني، إسرائيل، نشأ كفكرة، ثم تبلور ونما وتحرك إقليمياً ودولياً، في عكس اتجاه التطور الإنساني. فأيديولوجياً وفكرياً أسست الصهيونية، ولعلها رسخت، للتوجهات الانعزالية لدى يهود العالم.

جوهر مزاعمها بهذا الشأن، أن اليهود مضطهدون بالفعل، أو معرضون للاضطهاد، على أرضية عداء إثني ديني وعرقي مسبق وثابت. وإنه لا خلاص من هذه الحالة المزمنة إلا بقيام دولة خاصة بهم. بهذا التصور، تجاهل الصهاينة أحوال قطاعات إنسانية أخرى تتعرض لمظاهر من التمييز، ورفضوا مفاهيم النضال المشترك مع مواطنيهم الآخرين، للقضاء على هذه المظاهر في مجتمعاتهم الأصلية.

وهكذا، فإنه بينما كانت معظم أمم العالم وشعوبه، تسعى للخروج من سيطرة أنظمة الحكم القائمة على جوهر ديني أو مذهبي أو إثني، إلى فضاءات الحكم الديمقراطي العابر لكل الخصوصيات، كانت الصهيونية تعمل على إقناع اليهود بالفكاك بأنفسهم تحت عباءة دينية.

يصح الاستطراد هنا، إلى أن حقن اليهودية واليهود بأبعاد هذه العقلية الصهيونية الانعزالية، قد تزامنت تماماً مع اتجاه العرب إلى الانعتاق من الآصرة الروحية الإسلامية، التي غلفت علاقتهم السياسية بالدولة العثمانية لأربعة قرون.

هذه لحظة صدام فارق ولافت، بين اتجاه يسعى لإرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء، وبين اتجاه آخر يحاول الانخراط في موجة الحداثة التاريخية، وتجدر الإشارة إلى أن عرب فلسطين طالبوا قبيل النكبة، باستقلال بلادهم، وفقاً لهذا المفهوم الحداثي، بإنشاء نظام ديمقراطي يحتكم إليه كل سكان البلاد الأصليون، بما فيهم القطاعات اليهودية. وأغلب الظن أن الصراع المتأتي عن إصرار الغزوة الصهيونية على تهويد فلسطين، قد ساهم في ارتكاس بعض العرب عن هذا الاتجاه، والعودة بهم إلى غلبة الأحانين الدينية.

بكلمات أخرى، يجوز الاعتقاد بأننا هنا إزاء فعل صهيوني رجعي، ساق بعض العرب إلى رد فعل مماثل في الأسس والمنطلقات. علماً بأن كليهما، أي الفعل ورد الفعل، جاء معاكساً لسيرورة التاريخ.

ومن الجائز أيضاً، توقع أن يؤدي الجنوح الصهيوني المسعور راهناً، نحو الارتقاء أكثر فأكثر بالأبعاد الدينية للهوية الإسرائيلية، الذي يجسده ويعبر عنه إقرار ما يسمي بـ «قانون القومية اليهودية»، إلى تغذية إضافية لرد الفعل المشابه في الرحاب العربية والإقليمية.

والحق أن بعض أكثر القوى الدولية عطفاً على إسرائيل، كالأوروبيين، جهروا بغضبهم من القانون الإسرائيلي لهذا السبب، أي لكونه يشيع أجواء التطرف الديني عموماً، ويخالف المثل والقيم الديمقراطية الغربية، التي تدعي إسرائيل أنها تأخذ بها وتعمل وفقها.

يندرج تحت مظاهر غلو الصهيونية في معاكسة رياح التطور الإنساني، أن كيانها السياسي ينفرد عالمياً بممارسة احتلال دولة أخرى بكل مكوناتها، اسمها فلسطين. ويعمل الآن على تجذير معالم الأبارتيد، وتوثيقها في صلب قوانينه الأساسية.

يحدث ذلك بالتزامن مع اجتهاد مجتمعات اشتهرت بممارسة الفصل العنصري والأبارتيد، كجنوب أفريقيا، للتخلص من هذه الوصمة وكنس مخلفاتها. وهنا، يكمن أحد مظاهر الاختلاف بين هذين النموذجين الاستعماريين الاستيطانيين. ففيما يعمل الأفارقة على مداواة جروح الماضي البغيض، يسعى الصهاينة حثيثاً إلى التأسيس لمثل هذه الجروح.

وبالمناسبة، ليس من الحكمة أن يغفل المعنيون، عما بين هذين النموذجين من فوارق واختلافات. حقاً، هناك مبررات قوية للمقارنة بينهما، كوحدة المنشأ الجغرافي والأيديولوجي الفكري، المتمثل في استلهام مثل التمييز العنصري الغربي وممارساته الاستيطانية، وتطبيقها في عوالم الآخرين. لكن الاشتراك في المصدر والمسار، لا يعني أنهما سينتهيان تلقائياً إلى المصير ذاته.

يشار هنا، مثلاً، إلى توقف البعد الاستيطاني كلياً في النموذج الأفريقي. فمنذ أجل بعيد، ما عاد هذا النموذج يستقبل أفراداً أو جماعات من المهاجرين البيض. وقد تمت تسوية جوهر الصراع هناك، حين جرى الاتفاق على تصفية نظام التفرقة العنصرية.

هذا في حين ما زالت إسرائيل تدعو اليهود للهجرة إليها، وتعدهم بحقوق وامتيازات لا تتوفر لأبناء المجتمع الفلسطيني الأصيل. الأمر الذي ينذر بتأجيج الصراع، وليس بالتسوية في فلسطين.

ولا يساعد على التعجيل بالتسوية المطلوبة هنا، استمرار الإسناد المادي والمعنوي لهذا النموذج الصهيوني، من لدن قوى دولية شديدة البأس، وذلك على خلاف الموقف الإقليمي والدولي، الجامع المانع، الذي ساعد على كسر النظام العنصري والإطاحة به في المثل الأفريقي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات