في ذكرى النكبة

تمر الذكرى الواحدة والسبعون لنكبة فلسطين، في ظل مخاض عسير. وفي سياق إقليمي يمور بالأحداث، قد تغير في البنية السياسية في منطقة الشرق الأوسط، كما فعلت النكبة قبل عدة عقود.

فالنكبة الفلسطينية دشنت كياناً سياسياً جديداً معادياً لمحيطه، ومحيطه في حالة عداء مزمنة معه. وتعود أصول هذه الحالة الشبيهة بحالات أخرى من الناحية البنيوية، والمختلفة من الناحية العقائدية.

فالحركة الصهيونية مثلها مثل كثير من الحركات الاستعمارية الاستيطانية، والتي قامت بالقوة بامتلاك أراضي الغير، ثم جلب سكان من المستعمرات الأم، وإحلالهم محل السكان الأصليين بقوة السلاح.

فمنذ ما اصطلح عليه خطأ الكشوفات الجغرافية، فإن الأوروبيين انتشروا في أصقاع المعمورة، وكونوا مستوطنات في بلدان مختلفة، مثل القارتين الأمريكيتين، والتي قضي على سكانها الأصليين، وتم إحلال الأوروبيين محلهم، إما باسم الدين، أو باسم نشر الحضارة بين الشعوب «المتخلفة».

وكانت الحركة الصهيونية قد نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، كجزء من نهوض القوميات المتعددة، وكردة فعل لمعاداة السامية، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى تدمير حياة وممتلكات اليهود في أوروبا.

وقد تلاقحت الأفكار القومية السائدة حينها، والمعادية لليهود، ونتج عنها هذه الحركة، والتي دعت إلى قيام دولة يهودية في أرض إسرائيل التاريخية، على اعتبار أنه الموطن التاريخي للشعب اليهودي.

فمن ناحية، كانت الحركة الصهيونية انتصاراً للحالة اليهودية في أوروبا، ونتاجاً لاضطهاد استمر قروناً. وفي نفس الوقت، انعكاساً للحركات القومية والاستعمارية، والتي برزت منذ قرون أيضاً.

والمفارقة أن هناك توافقاً بين المناهضين للسامية والصهاينة، رغم ما يضمره الأول للأخير. والاثنان يؤمنان بعدم انتماء اليهودي إلى أوروبا، بل الوطن القومي في فلسطين. والاثنان يؤمنان بتفوق عنصريهما على بقية الشعوب.

وعلى هذا التوافق، نشأ تعاون بين النازية الألمانية والحركة الصهيونية، لتشجيع هجرة الألمان اليهود إلى أرض فلسطين. ويذكر الباحث ليني برينر في كتابه «الصهيونية في عصر الدكتاتوريين»، أن حاييم فايتزمن، والذي أصبح رئيس منظمة الصهيونية العالمية، ورئيس دولة إسرائيل في ما بعد، قال في محاضرة في 1912«إن أي بلد لا يستطيع استيعاب إلا عدد محدد من اليهود، إلا إذا أرادت أن تتسبب لنفسها اضطراباً معوياً. ألمانيا لديها ما يزيد من اليهود».

وقد وثق برينر التعاون بين النازيين والحركة الصهيونية، لتحويل ممتلكات اليهود من ألمانيا إلى فلسطين، بينما كانت الجاليات اليهودية في العالم تحاول تنظيم مقاطعة ضد ألمانيا النازية، بسبب سياساتها العنصرية ضد اليهود. واستمر التعاون، إلى أن قرر الزعيم النازي أدولف هتلر، الحل النهائي للمشكلة اليهودية، وهي عبارة تلطيفية للتصفية العرقية لكل اليهود في أوروبا وخارجها، والذي بدأ تنفيذها في مطلع 1942.

والمفارقة الأخرى، أن نكبة اليهود في المحرقة، كانت سبباً في نكبة الفلسطينيين. كانت الحركة الصهيونية إلى المحرقة في الحرب العالمية الثانية، حركة أقلية بين الشعوب اليهودية في أوروبا.

ومع اكتشاف مصير اليهود في معسكرات الاعتقال النازية مع نهاية الحرب، والتقديرات التي وصلت إلى أن الضحايا من اليهود يصل إلى الستة ملايين، تزايد التعاطف مع الحركة الصهيونية، وأعطتها دفعة ليست قوية فحسب، بل حاسمة، تجاه إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وتسارع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، إلى نصرة الحركة الصهيونية، وتحولت إلى الممثل الشرعي لليهود في العالم. وأصبحت مسألة تأسيس وطن قومي لليهود، وقيام دولة يهودية في فلسطين، أولوية لكافة الدول الفاعلة. ومن أهمها الولايات المتحدة، والتي خرجت من الحرب كالقوة العظمى الأولى.

وقد تبنت الولايات المتحدة قضية الصهيونية، رغم أن كبار الدبلوماسية الأمريكية، اعترضوا على تأسيس دولة يهودية على حساب الشعب الفلسطيني، ما سيكون له من عواقب وخيمة على علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية والإسلامية.

وقد استخدمت الولايات المتحدة كافة وسائل الضغط لإجبار الدول على التصويت لصالح التقسيم. ويقول روبرت لوفيت، والذي أصبح لاحقاً وزيراً للدفاع في إدارة هاري ترومان، إن التهديدات والرِشى استخدمت لإجبار الدول لإسناد قرار التقسيم.

وسعت الولايات المتحدة عبر الأمم المتحدة، لاستصدار قرار التقسيم في نوفمبر 1947. وفعلاً أصدرت الجمعية العامة قرار التقسيم رقم 181، والذي منح اليهود في فلسطين ما يعادل 14.400 ألف كم2 من أراضي فلسطين، رغم أن عدد اليهود كان يصل إلى 608,225.

ومعظم المجتمع اليهودي كان مهاجرين منذ ثلاث سنوات فقط. بينما منح السكان الأصليين من الفلسطينيين، والذي وصل عددهم حينها 1.237 مليون نسمة، 12,200 ألف كم2 من الأراضي الفلسطينية.

ولما كانت الأراضي المخصصة للدولة اليهودية تحتوي على 45 % من سكانها فلسطينيين عرب، كان لزاماً التخلص من هذا الوجود الفلسطيني. وكان رؤية ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء الأول لدولة إسرائيل، يجب التخلص من السكان العرب لقيام دولة يهودية قابلة للحياة.

ويقول إيلان پاپي، إن بن غوريون رسم خطة (دال) مع القادة الصهاينة والعسكريين، للتخلص من العرب، عبر التطهير العرقي المقصود. وكان ما كان، حيث طرد أكثر من 700,000 فلسطيني، بعضهم لا يزال يعيش في مخيمات اللاجئين، في انتظار حل للقضية الفلسطينية، والتي تخسر موقعها بشكل مستمر.

وقد نجح الصهاينة من طرد الفلسطينيين من بلادهم، ولكن فشلوا فشلاً ذريعاً في طمسهم من التاريخ!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات