إيران وخيار «اللا حرب واللا تفاوض»

يمكن اختصار المسافات كثيراً للتعرف على جوهر الموقف الإيراني من الأزمة الحالية مع الولايات المتحدة، وربما مع الأسرة الدولية من خلال تصريحات المرشد علي خامنئي، ففي آخر خطاباته في الخامس عشر من مايو الجاري، أكد بأن أي حرب مع أمريكا «لن تقع»، وأن «المقاومة» هي الخيار النهائي للشعب الإيراني، مشدداً على رفض التفاوض مع الإدارة الأمريكية. إيران اختارت اللا تفاوض مع الولايات المتحدة واللا حرب معها في الوقت نفسه، والحقيقة أن هذه الخيارات تزيد من سوء أوضاعها، فهو رهان على الزمن وهو في غير صالحها بالمرة، فأوضاعها الاقتصادية تزداد تأزماً وموقعها الدولي يزداد عزلة، فالتحذير الذي وجهته لشركائها في الاتفاقية بالتنصّل من بعض بنودها، من دون الإعلان عن الخروج منها صراحة، لم يلقَ سوى الرفض والتحذير من قبل هؤلاء.

خيار اللا حرب واللا تفاوض هو خيار استخدام معاناة الشعب لتحقيق أهداف سياسية، وتحميله المزيد من الحرمان لأمد غير محدود قد يكون سنوات ربما نتوقع خلالها قيام الأمم المتحدة لأسباب إنسانية بإعداد وتنظيم برنامج للنفط مقابل الغذاء، هذه المرة ليس عراقياً وإنما إيرانياً. فالمعروف أن إيران دولة ريعية تعتمد ميزانيتها بشكل رئيسي على واردات النفط والغاز ومن دون موارد هذين المصدرين لا تتوقف خطط التنمية، فحسب بل تعجز الدولة عن جعل الضروريات جداً في متناول المواطن.

فالاقتصاد الإيراني يشهد تدهوراً كبيراً لا يمكن التغطية عليه بالعبارات الرنانة عن الصمود والمقاومة، ففي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي لشهر أبريل المنصرم، توقّع الصندوق انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة كبيرة بلغت 6 % لعام 2019 مقارنة بنسبة 3.9 % لعام 2018 في أسوأ أداء منذ تقلصه بنسب 7.7 % عام 2012 بسبب الحظر الأمريكي لتصدير النفط الإيراني. وقد أشار الصندوق أيضاً إلى أن العملة الإيرانية فقدت ثلثي قيمتها، وأن التضخم سيرتفع إلى أعلى مستوى منذ العام 1980.

جميع الصراعات في التأريخ وبضمنها الأكثر دموية، تذهب في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض لإصدار وثيقة بشأن شروط إنهائها، كما حصل عام 1945 عند نهاية الحرب العالمية الثانية على ظهر البارجة ميسوري في خليج طوكيو عند استسلام اليابان، وفي مدينة ريمز الفرنسية عند استسلام ألمانيا، وكما حصل في خيمة صفوان عام 1991 في نهاية حرب الخليج الثانية.

الفن في الكسب وتلافي الخسائر أو التقليل من حجمها، هو ما يميز السياسات البراغماتية الناجحة عن تلك السياسات المتشنجة تحت ستار ظاهره جذاب إلا أن جوهره لا يعكس جاذبية مظهره. فالبراعة في العمل السياسي عند مواجهة الأزمات تجنّب الخسارة الكلية وإبداء حسن النوايا والدخول في المفاوضات في مرحلة مبكرة، وإلا فإن الإصرار على المكابرة والرهان على الزمن سيضعف من الموقف التفاوضي، لأنه سيصبح أكثر إنهاكاً وأقل قدرة على المساومة والأخذ والعطاء.

لم تذهب إيران إلى المفاوضات التي تمخضت عنها اتفاقية 5+1 عام 2015 بشأن برنامجها النووي طائعة من تلقاء نفسها، بل أرغمت على ذلك من خلال سلسلة العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس أوباما، وهي قد حصلت على ما حصلت عليه باستغلال نقطة «القوة» التي كانت لديها آنذاك وهي «ضعف» إدارة الرئيس الأمريكي أوباما وتجاوزها للخطوط الحمراء التي تضعها، وسعيها نحو تحقيق اختراق سياسي في الشرق الأوسط،عبر تبني حلول سلمية متجاهلة بشكل خطير مصالح دول المنطقة وموقف إيران الطامع ببعضها والعدائي لها، والساعي الدؤوب لألغامها بمختلف الميليشيات ذات الولاء المطلق للمرشد الأعلى خامنئي.

فكيف لإيران أن ترفض التفاوض الآن وهي تحت طائلة عقوبات غير مسبوقة، وليس لديها من مخارج للتنفيس عن عزلتها سوى توريط بعض دول جوارها، فجبهتها الداخلية ليست في أفضل حال، بعد أن شهدنا في السنوات الأخيرة التظاهرات والاعتصامات في معظم المدن الإيرانية احتجاجاً على سوء الأوضاع وتذمراً، من مستوى المعيشة الآخذ في الانحدار، فلدى هؤلاء ما يقولونه في الأزمة الحالية ومؤكد سيكون غير ما يقوله خامنئي.

إيران تواجه تداعيات سياساتها التي استمرت على مدى أربعة عقود من الزمن في زعزعة استقرار المنطقة، وتكديس السلاح ليس على أرضها فحسب بل على أراضي دول أخرى، معرضة أمن هذه الدول لشتى أنواع المخاطر.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات