مقال

«ريمونتادا»!

حدث الأسبوع الماضي جرى عبر يومين الثلاثاء السابع من مايو، والأربعاء الثامن منه، في اليوم الأول تمكن نادي ليفربول الإنجليزي لكرة القدم من تحقيق المعجزة بالفوز على نادي برشلونة الإسباني بأربعة أهداف دفعته فوراً إلى نهائي البطولة الأوروبية بعد أن ساد الظن أن ذلك من رابع المستحيلات لتخطي الهزيمة التي ألمت به على أقدام «ليونيل ميسي» قبلها بأسبوع بثلاثة أهداف لم يكن ممكن تخيل تخطيها.

في تلك الليلة بات النظارة من عاشقي «الساحرة المستديرة» في حالة من الذهول الكبير، ولم يكن في المعرفة أو الظن أن المفاجأة سوف تتكرر مرة أخرى في الليلة التالية مباشرة عندما فاز نادي توتنهام الإنجليزي أيضاً على نادي أياكس الهولندي بعد أن كان مهزوماً في المباراة الأولى.

كانت الكلمة الذائعة على كل وسائل التواصل الإنسانية، والاستوديوهات التحليلية هي «ريمونتادا»؛ وأينما ذهبت لمحاولة الفهم، وسواء أكان الكلام باللغة الإنجليزية أم العربية، فإن الكلمة جاءت كما لو كانت التعبير والتجسيد الحقيقي لتلك المفاجآت المدوية.

وبالبحث فإن الكلمة إسبانية الأصل ومعناها «التعافي» و«العودة» هي حالة إذاً تعتبر الهزيمة أو المرض أو الكارثة من أي نوع هي حالة مؤقتة ويمكن تجاوزها إذا ما كان عزم في قصد التجاوز، وحزم في نية الانتصار. ومن السجل التفصيلي لما دار في معسكرات المباراتين فإن هناك لحظة ما حاسمة، كانت فيها كلمات لها وقع وتأثير ساحر، نتج عنها طاقة لا تعرف حدوداً تجلت في ملعب المباراة.

حين سأل «جريجين كلوب» مدرب ليفربول لماذا حدث ما حدث (الفوز) قال لا أعرف؛ وعندما سئل اللاعبون لم يتحدث أحد منهم عن الخطة أو التدريب أو هبوط امتياز مفاجئ، كانوا جميعاً كما لو كانوا خارجين من حلم إلى اليقظة فإذا بهم فائزون! قال شاعر إنجليزي ذات مرة: «ماذا لو نمت/ وماذا أيضاً عند نومك حلمت/ وماذا أيضاً أثناء حلمك ذهبت إلى الجنة/ وهناك اقتطفت زهرة غريبة وجميلة/ وماذا إذا ما استيقظت، وجدت الزهرة في يدك/ آه، وماذا بعد؟».

هل يمكن لأمة العرب أن تعيش هذه الحالة من «الريمونتادا» فتستيقظ على زهرة جميلة تمثل عودة إلى الوعي بذاتها، وتعافياً من عناء عقد سنوات لم يكن رحيماً بدولها وشعوبها؟ ما جرى حقاً للفرق الرياضية الإنجليزية لم يكن خروجاً إلى ما وراء الطبيعة، وإنما كان حالة من الإيمان العميق بالذات، وبالقدرة على تحقيق الأهداف، وتحويل ما تعلمته وتدربت عليه إلى سلوكيات وتحركات وسرعات وفي النهاية أهداف.

الأمر بدا كما لو كان سحراً، ولكن التاريخ يقول لنا إنه هكذا تكون لحظات المجد التي تكون في العادة ساحرة لأنها تكشف عن القدرات ما لم يكن لا معروفاً ولا معلوماً.

السؤال دائماً هو من أين نبدأ، وربما كانت الإجابة هي أن البداية تكون من رفض الواقع خاصة عندما تكون سوءاته فيها صيرورة تجعل وجود صدام حسين ومعمر القذافي لا يختلف كثيراً عما سوف يأتي بعدهما من كوارث. ولكن رفض الواقع المهزوم لا يكفي فلابد من تصور لما سوف يكون.

وفي مطلع القرن التاسع عشر جرت في أوروبا ثورتان: الفرنسية التي أطاحت بالعروش، والصناعية التي بنت الدول وربطت الأمم. كانت الثورة الثانية هي التي دامت وانتشرت وأقامت الحضارة المعاصرة كما نعرفها الآن.

التعافي والعودة والريمونتادا العربية ممكنة إذا ما أمسكنا بتلابيب هذه الحضارة المعاصرة التي في أول سطورها العقل وما يأتي به من منطق، وثاني السطور في العلم والمعرفة في الشرق والغرب، وثالثها يكون في كل ما نتج عنه من تكنولوجيا وقوى للإنتاج جعلت من العالم كله سوقاً واحدة.

السطور الثلاثة متاحة لمن ينهل منها، ومن الجائز أن تكون قنوات الإصلاح الجارية الآن في عدد من الدول العربية هي بداية لمشوار يكون فيه التعافي ممكناً، والعودة جائزة، والعمران والتعمير شائع، ونبذ الصراع والبغضاء والكراهية ذائع.

وكما هو الحال في فرق كرة القدم الفائزة والتي أصابتها بركة التعافي فإن العمل المتجانس والمتناسق للمساهمين في الإصلاح يفتح الطريق إلى انتصارات ضخمة ومذهلة، ويقظة على زهرة ما عرف أحد جمالها من قبل. هي «ريمونتادا» أليس كذلك؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات