«البيان» على أبواب الأربعين

بانقضاء عامنا هذا، العام التاسع عشر بعد الألفين من الميلاد، تلج جريدة البيان عامها الأربعين. والأربعون في العمر، كما هو في عُرف العرب، هو سن الرشد، وسن النضج الذهني والقدرة على التخطيط السليم وتخطي الوعورة والسير بخطى محسوبة نحو الأهداف التي تحقق النمو من دون عقبات.. لكن هذه المؤسسة الإعلامية الكبيرة، مؤسسة البيان، استطاعت أن تنتقل خلال هذه المراحل العُمرية من وضع حسن إلى الوضع الأحسن، رغم أن وسائل الإعلام المختلفة، وخاصة الورقية فيها، طرأ عليها تطور مذهل ولم تعد كما كانت عليه قبل عشرين عاماً على سبيل المثال، وبات الإعلام الورقي اليوم يُكافح من أجل البقاء، وفي رأيي أن «البيان» قدرت بجدارة أن تقاوم هيمنة الإعلام الإلكتروني. وجذب هذا الإعلام الاهتمام به، وذلك بما حققته «البيان» من تطور في الشكل والمضمون وبدعم من جماهير قرائها الذين ازدادوا ازدياداً ملفتاً للنظر والذين ينتظرون رؤية «البيان» كل صباح وهي ترفل في ثوب قشيب.

وكانت فكرة إنشاء دار كبرى للنشر والإعلام تراود حكومة دبي منذ بدايات العام 1978، حيث كان القرار الأول هو فصل الإعلام عن بلدية دبي، التي كانت تدير قسماً للإعلام من ضمن أقسامها ويُشرف على إصدار مجلة أخبار دبي المشهورة التي أسستها البلدية في عام 1965، واستمرت هذه المجلة في الإصدار المنتظم حتى العام 1980، حيث حلت «البيان» كجريدة ورقية، مكان المجلة، وشقّت «البيان» طريقها بسلاسة بين الجرائد اليومية المرموقة في المنطقة الخليجية والعربية.. ولمجلة أخبار دبي التي كان إيقافها عن الاستمرار في الصدور أمراً غير محمود، تاريخ ودور بارزان في الإعلام المحلي لدبي والإمارات، وتطرق كاتب هذه السطور إلى مكانة هذه المجلة في الثقافة والإعلام في مناسبات مختلفة باعتبار «أخبار دبي» أوّل نشرة إعلامية عامة منتظمة الصدور في تاريخ دبي والإمارات العربية المُتحدة.

وكانت حكومة دبي قد رأت كما أشرنا، أن الحاجة ماسة إلى صحيفة يومية تنقل الحدث وترويه وتُسجل ما يتبع هذا الحدث من تحليل وتوضيح الشيء الذي لم يكن بمقدور مجلة أسبوعية أن تقدمه للناس.. وهكذا صدرت «البيان» أمام منافسة قوية من جريدة حكومية في أبوظبي وأخرى أهلية في الشارقة، وانضمت «البيان» من يومها إلى قافلة الصحافة الإعلامية والعربية والخليجية، وتعمل على إبراز الدور التنموي لدبي والإمارات.

وقد شهدت «البيان» في مسيرتها التي تقف فيها اليوم على أبواب الأربعين سنة من يوم صدورها تحولات كبيرة في المنطقة، فيها الشد والمد وفيها مجموعة من التفاعلات مع الأحداث داخلياً وخارجياً، ولا سيما تلك التي حدثت على مقربة منا في المنطقة، وهي الحرب العراقية الإيرانية والاعتداء من قِبل النظام العراقي على الكويت، ناهيك عن بعض الاختلافات الداخلية التي سرعان ما كانت الحكمة تتغلب عليها وتعيدها إلى جادة الصواب، بفضل السياسة الحكيمة والمرنة التي انتهجها حُكام الإمارات وعلى رأسهم زعيمان مُحنكان عركتهما التجارب الواسعة، وهما المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد رحمهما الله.

وباعتباري (أنا كاتب هذه السطور) أحد الذين راقبوا الأحداث عن كثب، وشاهدت سير الأمور بعيون المؤرخ والمُتابع، منذ أن وُضعت اللبنات الأولى في صرح البناء الثقافي والإعلامي في دبي وفي بقية الإمارات بعد ذلك، فإن مؤسسة البيان بكادرها الوظيفي في الإدارة والإعلام وفي الطرح والإخراج الفني ضمن السياسة الإعلامية والفكرية المتاحة، تقف هذه الجريدة في الصفوف الأولى في النشرات العريقة الإعلامية ومن تلك التي لها بُعد ثقافي ومعرفي، وتعد «البيان» في الوقت نفسه إحدى الواجهات المهمة التي تبرز معالم دبي والإمارات النهضويّة والعمرانية.

وفي ختام مقالي هذا أشير إلى نقطة قد لا تفوت على المُتابع الفطن عند استعراضه للأحداث، وهو أن «البيان» تعاقب عليها رؤساء ومديرو تحرير وإداريون، منهم من لم تتح الظروف لهم الإتيان بالأحسن، لأسباب قد تتعلق بهم كأفراد، ومنهم من حاول فأصاب تارة وأخفق في أخرى، ولكن المؤسسة شقّت طريقها بفضل الدعم المادي والمعنوي من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، الذي يولي الصحافة ووسائل الإعلام المعرفية عناية خاصة، ما جعل الإدارة الحالية لـ«البيان»، وهي تدخل سن النضج كما قلنا، أن تؤدي رسالتها في سهولة ويُسر، وتُصبح «البيان» اليوم إحدى القلاع الإعلامية ذات الصوت المؤثر في المنطقة العربية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات