عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي (2-4)

للتاريخ البشري وتفاصيل هذه الكينونة الوجودية طبيعة، أو يمكن القول بأنها متلازمة، وهي إعادة إنتاج الذات، باعتبار هذه الذات تمثل الإنسان، لكنها في جوهرها تعبر عن امتدادات لا متناهية في هذا الوجود، وجميعها تشترك في جذر واحد، وهو تلك الذات.

لكن ما لا يمكن قوله، إن هذه المتلازمة في إعادة إنتاج التاريخ لنفسه بذات الهيئة والشكل، هو غير مقبول، لأن هذه المتلازمة المرتبطة بنواميس أزلية، تحكم حركة هذا الوجود، وتتحكم في تفاصيله، وهي الثبات في الصراع والولادة المتجددة.

ولأننا بصدد قراءة استشرافية لعصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، فسوف نستنتج من ملامح تفاصيل ومظاهر العصر الذي نعيشه، وهو عصر الذكاء الاصطناعي، وفقاً لمعادلة الثبات والتجدد المستمرة، أننا نعيش عصراً ماضياً من عصور الاقتصاد، لكن بمظاهر ومعطيات مختلفة، تفرضها قوانين التجدد والتطور.

وهنا يمكننا أن نسأل: أين نحن الآن؟ وماذا بعد؟. مظاهر عصر الذكاء الاصطناعي تقول إننا نعيش في عصر الاقتصاد الزراعي وإقطاعية العصور الوسطى. ربما قد لا يصح قول هذا الوصف، حين نفهم أنه قد يتسبب في جرح أحد ما، لكن جوهر العصر الذي نعيشه هو من يفصح عن ذلك.

لقد فرض عصر الاقتصاد الزراعي، وجود طبقتين في المجتمع فقط، ولا ثالث لهما، وهما طبقة الملاك، وهم من اشتهروا بالإقطاعيين والبرجوازيين وذوي الدماء الزرقاء في توصيفات التاريخ والمؤرخين، ممن تناولوا قضية ظلم تلك الطبقات في تلك العصور. والثانية، طبقة الكادحين والعمال، الذين لا يحق لهم، وفقاً لقوانين طبقة الملاك، التملك أو التحرر من العمل في حقول الملاك وأراضيهم.

لقد فرضت تلك العصور ارتهان الطبقة السفلى إلى قرارات تحدد مصيرهم، وفقاً لمزاج الطبقة البرجوازية، حتى الأجور التي كانت تمنح لهم مقابل عملهم، كانت تعبر عن قوانين عبودية صارمة، حيث كان ما يحصلون عليه لا يكاد يكفي حتى للحصول على وجبات الطعام بشكل منتظم.

في هذا العصر، تتمثل جهود تلك الطبقات الكادحة في زراعات أخرى، ومعادل آخر لنوع الأرض الزراعية التي يعملون فيها، وهي حقول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بكل أنواعها وتفاصيلها، وبنفس الطريقة، فإن مردودهم لا يختلف عن تفاصيل عصر الاقتصاد الزراعي، باعتبارات ينبغي مراعاتها في تفاصيل مظاهر وأدوات عصر الذكاء الاصطناعي.

ولعل السيناريو ذاته في نتائج الكبت الذي عانته تلك الطبقات لفترات زمنية طويلة، جراء تلك الممارسة، يمكن أن يشير بوضوح إلى تفاصيل عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة مظاهر التغيير المرتبطة بناموس التجدد والولادة والتغير الأزلي، ومعطيات كل تجدد حضاري مرتبط بالتراكمات المعرفية البشرية بالضرورة في تفاصيل كل تغيير.

لقد فرضت الممارسة الاستعبادية في كل مظاهرها، والتي سادت في عصر اقتصاد الزراعة، إلى اتخاذ الطبقات الكادحة لقرار تغيير المصير، وكانت أقصى تراكمات هذه الرغبة في التحرر، هي الخروج إلى عصر اقتصادي آخر، هو عصر الاقتصاد الاصطناعي، بنظام قائم على مبادئ الحرية والمساواة والاشتراكية، كتعبير واضح وصريح عن تفاصيل الاضطهاد والاستعباد التي سادت في العصر الاقتصادي الزراعي، والحاجة إلى التحرر من جميع مظاهرها.

يفترض عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، الانتقال إلى عصر ينال فيه كل من يعمل في حقول تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يمكن أن يوازي تلك الطموحات التي مثلت هاجساً لدى الطبقات الكادحة في عصر الاقتصاد الزراعي، بتفاصيل شكلية مختلفة، لكن الجوهر في تلك الرغبة هو ذاته.

وهنا، سينشأ عصر اقتصادي قائم على ذات الموارد، مع تجديد في الملامح والمظاهر تفرضها نظرية التراكمات المعرفية المتطورة، بالتزامن مع تجديد الحقول التي سيعمل فيها الناس، قد ترتبط بمظاهر ما نعيشه الآن من معطيات حضارة الذكاء الاصطناعي، أو تتخذ اتجاهاً آخر ينبثق منها، مثل ما يمكن تسميته عصر الصناعة النانونية، بحيث تفترض هذه التقنية وجود الإنسان في مظاهرها، وليس كما تفرض مظاهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكن المختلف في سياقات العصر الاقتصادي الخامس، هو النظام الذي يمكن أن يلبي طموحات كل الفئات المجبرة على العمل في سياق مظاهر الذكاء الاصطناعي، والتي حرموا منها في سبيل ازدهار مصالح المالكين المتحكمين في تلك التطبيقات بكل وسائلها.

بذات الشكل الذي فرضته ظروف عصر الاقتصاد الزراعي، من ضرورة للانتقال إلى عصر الاقتصاد الاصطناعي.

الأول، كانت الرأسمالية ظاهرة في تفاصيل ممارسته، والثانية، كانت الاشتراكية، ما يعني أن الانتقال إلى عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، سيفترض وجود نظام اشتراكي بشكل أو بآخر، لكن بفارق ضروريات إعادة الإنتاج والتجديد لمنظومة ومفاهيم الاشتراكية، وفقاً لمعطيات ومظاهر عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي. وللحديث بقية.

اقرأ ايضاً

الثورة الصناعية الخامسة عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات