ذكرى النكبة والعودة إلى إنكار فلسطين

في تفصيلات الأحداث الموصولة بالنكبة الفلسطينية، نعثر على حقائق قد تبدو أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، منها مثلاً، تبدل مواقف أطراف الصراع الدامي تجاه مقترحات أو مشاريع التسوية، من حال إلى حال نقيض على طول الخط، في مراحل لا تزيد الفواصل الزمنية بينها بمعايير التاريخ عن طرفة عين، ففي أربعينيات القرن الماضي، عرض بعض كبار الزعماء العرب على الجانب الصهيوني القبول بحكم ذاتي لليهود، ضمن كيان فلسطيني صرف أو كيان فلسطيني عربي أوسع.

بالنظر إلى معطيات الحالة الفلسطينية، بما فيها التوازن السكاني بين الفلسطينيين العرب وبين اليهود المحليين منهم والمستجلبين، كان ذلك العرض، الذي رفض في حينه، سخياً مع الصهاينة إلى أبعد الحدود، لكن وقائع النكبة عام 1948/‏1949 بتداعياتها القاسية على المجتمع الفلسطيني مكنت للصهاينة ومشروعهم وجعلتهم أصحاب دولة ذات حول وطول؛ تتبجح بإنكار عروبة فلسطين البلاد والعباد من الأصل.

لقد تغيرت المعادلات والمكانات على نحو انقلابي، وصارت اليد العليا لأولئك المستوطنين المستعمرين؛ الذين كان كثيراً عليهم قبل أقل من عشرة أعوام حتى منطق الحكم الذاتي.

خلال العقدين التاليين للنكبة، تشدد الصهاينة في ذلك الاستكبار والإنكار؛ وأغراهم بذلك احتجاب مكونات الحقيقة الفلسطينية وتشظيها أيدي سبأ جغرافياً وبشرياً وسياسياً، حتى إن رئيسة وزراء إسرائيل تساءلت عام 1969 «أين هو الشعب الفلسطيني؟!».

في غضون تلك الفترة، وبينما ساد الظن بأن هناك في «الشرق الأوسط»، مجرد أعداد من اللاجئين العرب، يتعين البحث في كيفية استيعابهم وإدماجهم في المحيطين الإقليمي والدولي، كان الفلسطينيون منشغلين بمداواة جراحهم من ناحية، وتحري سبل إعادة التكوين الذاتي وإبراز كينونتهم وهويتهم السياسية الوطنية من ناحية أخرى.

كانت تلك مهمة شاقة إلى أبعد التصورات؛ لكنها انتهت إلى تحقيق نجاحات أسطورية بتضحيات أسطورية أيضاً. وعموماً، ما إن انتهى العقد الرابع من سنوات النكبة، حتى كانت فلسطين قد استردت قدراً كبيراً من عافيتها، لتعود كقضية تحرر وطني تملأ الدنيا وتشغل الناس. وكانت تلك الاستعادة، نموذجاً آخر لانقلاب المعادلات بناء علي تغير معطيات الصراع، فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً ودولياً.

وكان ضمن أبرز تجليات ذلك التحول الانقلابي لدى طرفي الصراع الأساسيين: انتقال الجانب الصهيوني من إنكار الحقيقة الفلسطينية بالمطلق إلى الاعتراف بها والإقرار بطبيعتها السياسية، وذلك نظير اعتراف المفاوض الفلسطيني بوجود إسرائيل وتخليه عن الكفاح المسلح والقبول بالقرار الأممي الشهير رقم 242.

اللافت هنا أن الجانب الصهيوني الذي سبق أن تفضل عليه بعض العرب بعرض الحكم الذاتي، هو الذي بادر هذه المرة؛ بعد نحو خمسين عاماً، إلى طرح مثل هذا العرض على الفلسطينيين، شريطة أن يطبق فقط على أرضهم المحتلة عام 1967.

سيقول البعض إن المفاوض الفلسطيني قبل عام 1993، وهو في كامل وعيه، بصيغة الحكم الذاتي المحدود التي نص عليها اتفاق أوسلو، فلا يحق له افتراضاً أن يطمح إلى كينونة سياسية أكثر رقياً.

ربما كان هذا جائزاً، ولكن كان من المفهوم والمستقر في وجدان كل الأطراف المباشرين فضلاً عن الشهود والوسطاء، في ما يشبه الاتفاق الودي، أنهم إزاء صيغة انتقالية ضمن خريطة طريق تنتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة، على كل من الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية، بجانب دولة إسرائيل.

تشهد بذلك الجهود الفلسطينية لتكوين مؤسسات الدولة تحت عين إسرائيل وسمع العالم برمته وبصره، وإقرار المحافل الدولية المعنية بجدارة الفلسطينيين بهذه العملية التطورية الصاعدة ودعمها، وصولاً إلى اعتراف الأمم المتحدة الصريح بفلسطين كدولة غير عضو تخضع للاحتلال.

نود القول إنه مع شيء من التأزم، كان الاتجاه السائد لحل المعضلة الفلسطينية إلى وقت قريب، يعمل لصالح حل الدولتين، غير أن هذا الاتجاه يتعرض راهناً لضغوط جبارة من قبل التحالف الإسرائيلي الأميركي، توشك أن تنتكس به إلى عهد إنكار أحقية الفلسطينيين في الاستقلال والدولة، والمراوحة في خيار الحكم الذاتي.

توحي بهذه الانتكاسة، تحركات هذا التحالف المشينة لاستبعاد حقوق فلسطينية ظاهرة في قضايا شديدة الحساسية كالقدس واللاجئين، وحجب الدعم المالي والاقتصادي اللازم لتوفير خدمات أساسية واستكمال البناء المؤسساتي.

ومن المتوقع أن يتأكد هذا التصور أكثر فأكثر، عندما يكشف النقاب عن بقية مفردات ما تسمى «صفقة القرن». هذا يثير السؤال عما إن كان الفلسطينيون بصدد خريطة طريق تضمر إعادتهم إلى مربعات بواكير سنوات النكبة، والسبيل إلى وقف هذا التدهور؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات