أن تعتذر متأخراً

حديث المجالس خلال الأيام الماضية، كان اعتذار الدكتور عائض القرني، أحد قيادات «الصحوة» وأبرز نجومها، للمجتمع السعودي عن التشديد، والأخطاء التي خالفت الكتاب والسنة وسماحة الإسلام والدين المعتدل الوسطي الرحمة للعالمين، وضيقت على الناس، كما جاء على لسانه في المقابلة التلفزيونية التي أجراها معه المذيع عبدالله المديفر في برنامج «الليوان» على قناة «روتانا خليجية».

هذه الاعترافات التي قال فيها الدكتور عائض القرني، بكل شجاعة وصراحة، إنه يعتذر للمجتمع السعودي باسم «الصحوة» جميعاً، مؤكداً أنه الآن مع الإسلام المعتدل المنفتح على العالم الوسطي، الذي نادى به الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والذي هو ديننا، مستشهداً بالآيات القرآنية الكريمة التي تدل على وسطية الدين الإسلامي واعتداله، وبالأحاديث النبوية الشريفة التي تؤيد ذلك، قائلاً إنه الآن في المرحلة من التعسير إلى التيسير، ومن التنفير إلى التبشير، ومن التقليد إلى التجديد، وإلى السماحة التي هي صورة ديننا.

اعتذار الدكتور عائض القرني، واعترافاته بأخطاء «الصحوة» كان لها ردود فعل لدى الذين اتفقوا معه والذين عارضوه، حيث اعتبرها المتفقون شجاعة، حتى لو جاء الاعتذار متأخراً، بينما هاجمها المعارضون والمتشددون، واعتبروا الدكتور من «علماء السلطان» المتمسحين بالحكام، بعد أن كانوا يبجلونه ويضعونه في مكانة رفيعة، وتسعى قنواتهم إلى استضافته.

حتى أن مذيعي القنوات الفضائية الإخوانية فتحوا النار عليه، ودعوا إلى تحقيره، والبصق في وجهه عند رؤيته، مثلما قال محمد ناصر، مذيع قناة «مكملين» الإخوانية التي تبث من تركيا، واعتبره معتز مطر، مذيع قناة «الشرق» التي تبث من تركيا أيضاً، كالدابة التي يركبها كل الملوك.

هذا الخطاب المتشنج والمنفلت غير مستغرب، بل إنه متوقع من هذه الأبواق التي تستخدمها الماكينة الإعلامية الإخوانية، وتلك الهاربة إلى تركيا والدول التي تؤويها بعد سقوط حكم جماعة «الإخوان المسلمون» في مصر، والذين يمولونهم ويحتضنون قنواتهم الفضائية.

الدكتور عائض القرني حاول في حواره مع المديفر أن يكون موضوعياً، فذكر ما يعتقد أنها كانت إيجابيات للصحوة، لكنه أقر بخطأ الحركة في مصادمة الدولة، والشدة والغلظة في الخطاب، وتحريم بعض المباحات، والتضييق على الناس في الحلال، وتهميش العلماء، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز، مفتي المملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وقتها، الذي كان يجتمع بهم مرة في الشهر تقريباً، ثم يخرجون من عنده مختلفين معه، بل إن بعضهم كان يعتقد أنه أجدر بالفتوى من الهيئة ورئيسها، رغم أن الشيخ بن باز، عليه رحمة الله، كان يقول لهم أنتم دعاة ولستم علماء، فقد كان بعضهم شباباً متحمسين لم ينالوا من العلم ما يؤهلهم للفتوى.

ومن الأخطاء التي ذكرها أيضاً ضعف الخطاب الوطني في مقابل الخطاب الأممي الذي تتبناه جماعة «الإخوان المسلمون»، والمزايدة على خطاب الدولة وشرعيتها، خاصة في أوقات الأزمات، مثل حرب الخليج الثانية التي تبنت الصحوة فيها خطاب «الإخوان المسلمون» المعارض للدولة، وتجييش الناس ضد الغرب، والدعوة لقطع العلاقة معه، الأمر الذي اعتبره الدكتور عائض غير معقول.

الذين عاصروا نشأة حركة «الصحوة» في المملكة العربية السعودية، والذين يعرفون تاريخها، يعلمون أنها نشأت كردة فعل للثورة الخمينية في الثمانينيات من القرن الماضي، ويعلمون أيضاً أن أصولها إخوانية، وأنها قامت على أيدي مجموعة من الدعاة، منهم الدكتور عائض القرني.

لذلك فإن حديث الدكتور عائض يكتسب مصداقيته من كونه من مؤسسي الحركة، وأحد أبرز رموزها. وقد كان دعم الدولة للحركة في تلك الفترة عاملاً مهماً من عوامل قوتها، خاصة وأنها قد تبنت فكرة الجهاد لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي، وشجعت الكثير من الشباب على الانخراط في قوافل المجاهدين في أفغانستان، كما كان يُطلَق عليهم.

لكن دعم الدولة للحركة توقف بعد أن اصطدمت معها في التسعينيات من القرن الماضي، عندما بدأت الحركة تأخذ أكبر من حجمها وتتدخل في سياسة الدولة، خاصة إبان حرب الخليج الثانية، عندما اعترضت الحركة على التعاون مع الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وإن كان التأثير الأكبر للحركة كان في فرض أنماط اجتماعية على المجتمع السعودي لم تكن موجودة قبل قيام الحركة، الأمر الذي أسس لتيار التشدد الذي خرجت منه جماعات تكفيرية متطرفة، مثل «القاعدة» وغيرها من الجماعات المتشددة في شبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص.

وهذه حقيقة، حتى لو حاول البعض إلصاق تهمة ظهور هذه الجماعات للفكر السلفي، إذ إن أحداً لا يستطيع أن يقول إن الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، على سبيل المثال، لا ينتمون إلى الفكر السلفي، لكن أحداً منهم لم ينتم إلى هذه الحركة، وإن كان بعضهم قد امتدح بعض مظاهرها، مثل الإقبال على علوم الشريعة، وارتياد الناس المساجد لحضور حلقات العلم، كما يقول الشيخ صالح المغامسي، فقالوا إنها صحوة خير.

لماذا جاء الاعتراف بأخطاء «الصحوة» من قبل أحد مؤسسي تيارها متأخراً؟ وهل هو بداية لاعتذارات أخرى من بقية رموز «الصحوة» ومؤسسيها؟ وهل يكفي الاعتذار وحده، أم أن هناك خطوات أخرى يجب اتخاذها، في ظل مناخ الانفتاح الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، والذي بدت مظاهره في قرارات وتحولات شهدها المجتمع السعودي أخيراً؟

كل هذه الأسئلة مفتوحة، ولكن أن تعتذر متأخراً خير من أن لا تعتذر أبداً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات