التسامح في المفردات الشعبية الإماراتية

ثقافتنا الشعبية مليئة بالمفردات والقيم الإيجابية التي يمكن أن نستوحي منها ذخيرة حية تكفينا كغذاء روحي ومعنوي لأجيال طويلة ونعتز به كميراث من أسلافنا.

قيم جميلة كالكرم والشهامة والتسامح وتقبل الآخر المختلف هي جميعها قيم توارثناها عن أسلافنا، وهي أيضاً تحولت إلى استراتيجيات عمل للدولة منذ قيامها على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وحتى الآن.

وعلى الرغم من أن دولة الإمارات دولة عصرية في معظم جوانب حياتها إلا أنها أيضاً مرتبطة بقيم الأصالة التي تحث على تبني القيم الإنسانية في كل جوانب الحياة لأنها تعطي للتعامل بين البشر صفة إنسانية ومعنى جميلاً.

دولة الإمارات مدركة بأنها تعيش في عصر غلبت عليه المادية والحداثة. والإغراق في المادية على حساب القيم الروحية كان لابد أن يدفع الكثيرين إلى اللجوء إلى التراث الروحي والمعنوي لكي يستقوا منه ذخيرتهم الروحية خاصة في التعامل الإنساني.

كما أن الإمارات مدركة أيضاً أن واجبها الإنساني والدولي يدفعها إلى إعلاء هذه القيم النبيلة لما لها من أهمية لخير البشرية جمعاء. ومن المؤكد أن العالم ككل بحاجة إلى إعلاء قيمة التسامح والتي من دونها يفقد العالم ميزة مهمة أكدها ديننا الإسلامي الحنيف، ألا وهي قيمة التعارف والتعايش بين البشر حتى لا يتصرف الناس وكأنهم يعيشون في غابة يأكل القوي الضعيف ويتآمر المستقوي على المستضعف.

التسامح ليس مفردة من المفردات الإنسانية فحسب بل هي منهاج عمل واستراتيجية تنموية متى ما أدرك الناس معناها الحقيقي وقيمتها في المجتمع. وفي مجتمع الإمارات ارتبطت في الذاكرة الشعبية قيمتي الكرم والتسامح بحكم ارتباطهما العضوي ببعضهما البعض.

فالكرم هو أن تجود النفس البشرية بأغلى ما لديها في سبيل قيمة أخرى هي حب الخير والعطاء الذي يفيض حباً وتسامياً. وقد ارتبطت في الذاكرة الشعبية ببعضهما البعض في القول «المسامح كريم». فالتسامح هو أن يغض الإنسان بصره عن صغائر الأمور وليس كبائرها.

فالذاكرة الشعبية تروي لنا قصصاً ومواعظ عن التعامل بين البشر متى ما كان تاماً وغير منقوص وقائماً على الندية. فمثلاً، عندما يكون التسامح قائماً على الندية وليس الضعف، فإنه يكون قيمة إيجابية وإنسانية رائعة.

وكالكرم الذي يفيض بالحب والإيثار يبدو التسامح وكأنه ميزة مرتبطة كل الارتباط بالقيم المجتمعية الأخرى التي تزيد الأواصر الاجتماعية قوة وترسيخاً. فلا شيء أعمق وأكثر تأثيراً من قيم الكرم والتسامح والعطاء التي قامت عليها ثقافة الأجداد والتعامل المجتمعي الفطري البعيد كل البعد عن التكلّف والتصنّع.

البعض يقول إن المجتمعات القديمة كان لابد لها من اللجوء إلى تلك الذخيرة المعنوية الفطرية لاستمراريتها واستدامتها في بيئة غلب عليها قانون الغاب في الكثير من الأحيان.

كما أن تلك المجتمعات كانت في أحيان كثيرة معرضة للذوبان في وسط كم هائل من القوى والثقافات والحضارات الغالبة إن لم تتنازل وتقبل بالحلول المنطقية، التي يفرضها قانون الغاب. وعلى الرغم من أن هذا الرأي قد يجانبه الصواب في بعض الأحيان إلا أنه بالنسبة لمنطق الصحراء صحيح تماماً.

ففي عرف الصحراء كان للقوة على الدوام الحضور الأبرز والرأي المؤكد والرئيس، ولكن عندما تكون تلك القوة مقرونة بقيم الخير والعطاء والتسامح، فعندها فقط يكون لها الغلبة دون منافس. ولهذا فإن قيادة القبيلة غالباً ما تكون للحكيم القوي ذي النظرة البعيدة.

فثقافة الأجداد سوف تكون على الدوام الذخيرة التي نلجأ لها لكي نشد بها عزيمتنا ونشحذ بها هممنا. فلا شيء يعلو على صوت الذاكرة الشعبية المنطلقة من أعماق ماضينا ولا شيء أهم من صوت يقدم لنا دروساً وعبراً من ثقافتنا الحية.

إن عام التسامح يجب ألا يمضي من دون أن يكون له تأثير على جوانب مهمة في حياتنا، أولها، التعامل الآني مع الآخر الذي يعيش بيننا، والثاني، نظرتنا للعالم من حولنا من خلال حزمة استراتيجيات وتشريعات تخدم البشرية جمعاء، والثالث، التأثير الذي يجب أن يتركه هذا العام على الأجيال الجديدة ونظرتها للمستقبل.

فمما لا شك فيه أن الأجيال الجديدة في أمس الحاجة إلى تلك الذخيرة المعنوية التي تستلهم من تراث الآباء صوراً جميلة وقيماً نبيلة قابلة للممارسة اليومية.

ومن المؤكد أن مجتمعنا سوف يكون أسعد وهو يمزج بين الأصالة والمعاصرة. فالمدنية تقدم السعادة المادية للإنسان، بينما تقدم الأصالة السعادة الروحية التي نحتاجها جميعاً لجعل حياتنا أسعد وأفضل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات