رسائل «داعش» بعد الانهيار

مع انتهاء معركة الباغوز شرق سوريا، اختفى آخر عنوان لتنظيم «داعش»، وكثرت التحليلات والتكهنات حول مستقبله خاصة مع استسلام أعداد كبيرة من مقاتليه وظهور انهيارات معنوية واسعة في صفوفه، حرصت الجهات المختصة في العراق وسوريا البلدين اللذين نُكبا بشروره على الاستفادة منها إعلامياً كجزء من استراتيجية إضعافه.

في عالم السياسة هناك طرائق متعددة لتبادل الرسائل بين الدول بعضها عبر القنوات الدبلوماسية، وبعضها بطرائق أخرى قد تكون عبر وفد مبتعث أو مندوب خاص أو عبر دولة أخرى أو من خلال تسريب صحافي أو البريد الإلكتروني أو التغريد على «تويتر» بما يتناسب مع طبيعة الرسالة ودرجة أهميتها.

أما داخل الدول، فيتم تبادل الرسائل بين السلطات القائمة وبين القوى السياسية التي لها حضور في المشهد السياسي بوسائل تعتمد على طبيعة النظام السياسي القائم. ففي الدول الديمقراطية هناك منصات متنوعة متاحة للأحزاب تروّج من خلالها برامجها وتعبر فيها عن مواقفها وسياساتها. في حين تجد هذه الأحزاب في الدول غير الديمقراطية، حيث لا يسمح لها بممارسة نشاطاتها، نفسها مضطرة إلى اعتماد النشرات السرية أو وضع الملصقات سراً على الجدران في المناطق العامة أو تنظيم التظاهرات والاعتصامات في شوارع أو ساحات المدن المهمة أو الذهاب إلى أبعد من ذلك في حالات الاستقطابات والاحتقانات الشديدة كاللجوء إلى السلاح أو إنشاء محطات بث إذاعي خارج البلد للترويج لطروحاتها.

وهناك إضافة إلى ما ذكرنا طرائق أخرى تلجأ إليها المنظمات الإرهابية لبعث الرسائل إلى من تفترضهم خصوماً لها، دولاً أو مكونات إثنية أو دينية أو مذهبية، عبر عمليات الاختطاف والاغتيالات والتفجيرات وإلحاق الأضرار بالمؤسسات الاقتصادية أو الخدمية كما اعتدنا على ذلك من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش ومن غيرها.

رسالتان وصلتا أخيراً من تنظيم داعش معنونتان للجميع أفراداً ودولاً، الأولى عبر تفجيرات سريلانكا التي هزت العالم في عيد الفصح لفداحة الأضرار التي ترتبت عليها والتي شملت ثلاث كنائس وثلاثة فنادق في العاصمة كولومبو وبالقرب منها وراح ضحيتها ما يزيد على ثلاثمائة قتيل وأكثر من خمسمائة جريح. أما الرسالة الثانية فهي ظهور أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم في وسائل الإعلام بعد خمس سنوات من الاختباء ليلخص الاستراتيجية الجديدة للتنظيم بعمليات الاستنزاف والمطاولة للعدو، وليعلن عن تنفيذ اثنين وتسعين عملية في ثماني دول انتقاماً لما جرى لمقاتلي التنظيم في سوريا.

للرسالتين دلالاتهما في ناحيتين مهمتين أولاهما تتعلق بمستقبل التنظيم، حيث حرص البغدادي على تأكيد حضوره، شخصاً وتنظيماً، من خلال عاصفة التفجيرات في سريلانكا تعزيزاً ودعماً لمعنويات أنصاره وجمعاً لشتاتهم بعد الهزائم التي تلقوها، أما ثانيهما فتتعلق بمستقبل زعامته التي اهتزت بشكل كبير بعد سلسلة الانكسارات التي تجرعها التنظيم وخسارته لجميع مواقعه في العراق وسوريا، ومقتل العديد من قياداته على مدى السنوات المنصرمة.

خمس سنوات تفصل بين ظهورين إعلاميين متباينين للبغدادي، أولهما «عنفواني» يعلن فيه من مسجد النوري في الموصل انتصاره وميلاد خلافته المزعومة، وثانيهما «انكساري» يعلن فيه من مخبأ تحت الأرض في مكان ما هزيمته وانتهاء القتال في آخر معاقله. أولهما دفع الولايات المتحدة لرصد مبلغ خمسة وعشرين مليون دولار لمن يساعد في القبض عليه، وثانيهما قد يغري واشنطن بإلغاء ذلك إلا أنه لم يثنها عن إيلاء أقصى درجات الاهتمام بالدقائق الثماني عشرة التي ظهر فيها البغدادي حيث أشبعتها دراسة وتحليلاً من أجل التعرف على معالم توجهاته ومستقبل العمليات التي يخطط لها. إذ من الصعب الاقتناع بأن هذا التنظيم قد انتهى بعد هزائمه العسكرية في جميع المعارك التي خاضها. فثقافة العنف التي أنجبته ليست حالة طارئة في المنطقة بل متجذرة فيها بعمق بفعل التعقيدات الفكرية والسلوكية الطائفية، ثقافة هناك، في المنطقة وخارجها، من يعمل على إدامتها.

الأجواء المتشنجة في المنطقة لا تساعد على التفاؤل، فعلى الرغم من قلة الثغرات في استراتيجية التحالف الدولي للتصدي للإرهاب عموماً ولتنظيم داعش بشكل خاص إلا أنه ليس هناك، على المدى البعيد، ما يكفي من الروادع للتحوط ضد عودته أو ظهور غيره، فالتفكك والتراخي قد بدأ يسري في أوصال هذا التحالف كما أن السياسات المتبعة محلياً في بعض دول المنطقة لا يزال فيها الكثير من الثغرات التي تسمح باحتضان مقاتليه وغض الطرف عن نشاطاتهم.

 

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات