رسالة أمريكية قوية للنظام الإيراني

اعتبر مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، أن إرسال حاملة الطائرات «يو إس إس إبراهام لينكولن»، إلى مياه الخليج العربي، بمنزلة «رسالة واضحة، لا لبس فيها لإيران»، مشيراً إلى أن هذه الخطوة، تأتي رداً على ظهور ما وصفه بعدد من «المؤشرات المقلقة»، التي صدرت من الجانب الإيراني.

الحقيقة أن هذا التحرك الأمريكي في غاية الأهمية، ويأتي في توقيت حساس للغاية، لأنه يتزامن مع بداية تطبيق مرحلة الحظر الكامل للصادرات النفطية الإيرانية، وما يرتبط بذلك من ردود أفعال إقليمية، قد يلعب فيها النظام الإيراني ووكلاؤه دور «مشعل الحرائق» إقليمياً، لإرباك الولايات المتحدة، والتحريض على استهداف مصالحها في الشرق الأوسط.

الملاحظ أن الإدارة الأمريكية تتصرف هذه المرة حيال إيران بحذر شديد، وتراقب خطواتها بدقة، حيث بات مستشارو الرئيس ترامب على ثقة من أن النظام الإيراني يسعى لاستدراج الولايات المتحدة لصراع عسكري، ويرى في هذا الصراع المحتمل طوق إنقاذ لمستقبله السياسي، من خلال صرف أنظار الشعب الإيراني عن كارثة سوء إدارة الاقتصاد والفشل والفساد الذي يحيط برموز هذا النظام، إلى أزمة خارجية، ورفع شعارات «المقاومة» الخاوية، التي يقتات عليها هذا النظام منذ ثورة الخميني عام 1979.

والملاحظ أن بعض الأقلام المتعاطفة مع إيران، ترى أن استمرار مرور الناقلات التي تحمل النفط الإيراني عبر مضيق هرمز، نوع من الفشل للعقوبات الأمريكية، ويتناسى هؤلاء أن هذه العقوبات لا تعني وقف حركة مرور الناقلات التي تحمل النفط الإيراني، بل حظر استيراده من جانب الدول التي تقوم بذلك، وإلا ستتعرض للعقوبات الأمريكية، وبالتالي، فالمسألة لا تنطوي على إجراءات عسكرية، كما يريد لها النظام الإيراني، بل هو حظر اقتصادي، يتحمل من يخترقه توابع العقوبات الأمريكية المرتبطة به! وبالتالي، علينا أن ندرك أن الإشكالية لا تتمثل في عبور الناقلات التي تحمل النفط الإيراني للمضايق والبحار، التي يفترض أنها ممرات مائية دولية، تتمتع بحرية النقل والعبور، ولكن في شراء النفط الذي تحمله هذه الناقلات.

في ظل هذه المعادلة البسيطة للغاية، فإن تأثير حظر صادرات النفط الإيرانية، لن يتحقق بين عشية وضحاها، كما اعتقد البعض، بل سيمر بمراحل، ويشهد مفاوضات وخطط إحلال للبدائل، كيلا تتأثر اقتصادات الدول المستوردة، وهذا الأمر يتطلب تنسيقاً بين الولايات المتحدة والعديد من الأطراف المصدرة للنفط، وتلك التي تستورد النفط الإيراني.

وقد جاء تحرك حاملة الطائرات الأمريكية، تحسباً لبداية تأثير حظر الصادرات النفطية، حيث يتوقع الجانب الأمريكي حدوث عمليات استفزاز أو تحرش عسكري بالقطع البحرية الأمريكية في مياه الخليج العربي، أو بالمصالح الأمريكية والقوات المتمركزة في دول مثل العراق وغيرها، ما يتطلب توافر جاهزية عالية للرد فوراً، في حال طلب البيت الأبيض التعامل مع أي سلوك إيراني متهور حيال الولايات المتحدة.

وإذا كنت أتفق مع من يقول بأن الرئيس ترامب هو رجل صفقات، لا يريد أي ارتفاع لأسعار النفط، بسبب أزمة محتملة في الشرق الأوسط، وما قد يجلبه ذلك من تأثير سلبي في أسعار الوقود ورضا المستهلكين وانتعاش الاقتصاد الأمريكي، لا سيما في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية، ورغبته في الفوز بولاية رئاسية ثانية، فإنني أرى أيضاً أن أحد ركائز حكمه، قائمة على استعادة هيبة الولايات المتحدة، وأنه سيوازن بدقة شديدة بين الهدفين الاستراتيجيين، وسيسعى حتماً لتحققهما معاً في آن واحد، أي السيطرة على أسعار النفط وكبح جماح إيران والتصدي لنفوذها، باعتبار ذلك أحد أهدافه الاستراتيجية.

يتوقع الجانب الأمريكي مناورات لجس النبض، واختبارات لردة فعل الرئيس ترامب خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يمكن فهمه من تصريح بولتون القائل "ما حصل بالضبط هو أننا شهدنا تحركات تصعيدية من قبل الإيرانيين، وسنحاسبهم على أي هجمات تستهدف المصالح الأميركية"، فالإدارة الأمريكية لا ترغب إذن في الظهور بمظهر الضعيف، وتمنح النظام الإيراني فرصة التلاعب بهيبة الولايات المتحدة ونفوذها العالمي، لا سيما أن النظام الإيراني دائماً ما يبدي دلائل على تأثره بسلوكيات الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بل يمضي على دربه تماماً، متجاهلاً الاختلافات الجذرية بين القدرات العسكرية للبلدين، وعوامل القوة الشاملة والبيئة الاستراتيجية للصراع في الحالتين، ناهيك عن الرؤية الاستراتيجية الأمريكية للملفين الكوري الشمالي والإيراني، كل على حدة، والعامل الأخير تحديداً، يعكس خطورة النظام الإيراني المتفاقمة على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، بدرجة ربما تفوق خطورة النظام الكوري الشمالي، الذي يدير صراعاً استراتيجياً محسوباً مع الولايات المتحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات