أغنية الثلج والنار

لم تكن رواية جورج مارتن «أغنية الثلج والنار» بالشهرة نفسها التي نعرفها اليوم بعد أن بدأت الجولة الثامنة، ويقال الأخيرة، من المسلسل التلفزيوني «لعبة العروش» أو Game of Thrones الذي أصبح أسطورياً حائزاً على جوائز «إيمي» المتعددة، وله من المتحمسين والمشجعين والمتعلقين بشخصياته عشرات الملايين في مشارق العالم ومغاربه.

المسلسل من الناحية الفنية ليس ككل المسلسلات، فهو يشكل حالة وسط بين الحلقات التلفزيونية والأفلام السينمائية، وفي كثير من الأحيان يأخذ شكل هذه الأخيرة، ومن نوعيات الإنتاج الكبير الذي يمتد لأكثر من الساعة، وفيه معارك حربية معقدة، وطوال الوقت فيه إيقاع سريع للأحداث المختلطة بأشكال من التشويق والحركة وقصص الحب الساخنة، بينما تسيل الدماء طوال الوقت.

ومع ذلك كله الذي يبقي المتفرج ساكناً متشبثاً بمقعده، فإنه لن يفقد «الصورة الكبرى» التي تقول له إنه بغض النظر عن الأفراد بالغي الأهمية في حبهم وكراهيتهم، وفي سلامهم وعنفهم، فإن الصراع الحقيقي يجري بين الأمم.

المشاهد أمامه دائماً صورة للعالم ليس بالضرورة عاكسة لتاريخ بعينه، وإنما هو مركب من فترات تاريخية مختلفة اختلطت بعصور بدائية ذات أحداث خيالية تجمع البشر والسحرة، وما هو تجسيد للطبيعة المادية وضده الكثير من الميتافيزيقا.

المسلسل درجة من سلسلة الأفلام Lords of the Ring التي بدورها كانت تقدم خلطة مشابهة عن «المملكة الوسطى» وما يواجهها من تحديات بدائية وحديثة بعرف زمن الأحداث.

علماء العلاقات الدولية، وخبراء أجهزة المخابرات، وجدوا في المسلسل انعكاساً لما ساد في العلم من سياسة واقعية أو Real Politik التي ترى الحالة الطبيعية التي تصورها توماس هوبز، حيث توجد حالة حرب الجميع ضد الجميع في صورة دائمة؛ ونصائح ميكيافيللي للتعامل مع هذه الحالة.

ولكن بعضاً منهم وجدوا في عالم المسلسل ما يشير إلى تقاليد لإدارة الأمور، وأنواع من الأخلاقيات الشخصية التي يحترمها قائد أو ملك؛ بل إن قادة المخابرات في هذه الملحمة مثاليون في عملهم، فهم لا يحبون ولا يكرهون، ولا ينحازون لطرف أو آخر، وفي كل الأحوال فإنهم يقدمون نصائحهم مجردة وموضوعية وعاكسة للحقيقة وباختصار كما يليق «بفرسان العقل».

القصة تدور حول عالم «وستروس» حيث توجد سبع ممالك تتنافس على «العرش الحديدي» الذي يشع بالقوة العظمى ويجري التنافس عليه كما كان يجري التنافس القاتل على الخاتم بين لوردات الأفلام الأخرى.

وكما هي العادة في العوالم القديمة والحديثة فإن الصراع يجري على ثلاثة مستويات: داخل المملكة الواحدة، حيث الخداع والقوة والغواية تسير جنباً إلى جنب؛ وما بين الممالك للحصول على الجائزة العظمى ــ الخاتم أو العرش - التي تعطي القوة غير المحدودة؛ والتحديات الهائلة التي يقع في مواجهتها الجميع وأولها الطبيعة أو ذلك «الشتاء القادم» الذي لا يمكن أن يتحمله بشر (العكس تماماً من هجوم الاحتباس الحراري الحالي) وثانيها الذي يأتي من صحوة الموتى، أو مطاردة التاريخ الذي ساد ظن بموته، والذين يتمتعون بعدوانية لا تقل أبداً عن عدوانية البشر الحاليين في وقت الملحمة.

وبالطبع فإن سباق التسلح جارٍ في صناعة السيوف، وأنواع مختلفة من السهام والأقواس، وأهمها على الإطلاق تلك التنينات مطلقات النار على القلاع والجموع والأسوار سواء أ كانت من ثلج أم حجر.

كل هذه القضايا الكبرى يجري التعامل معها من خلال «الرواية» و«المشاهد» و«الحركة» و«الأشخاص»، بحيث يجري كل شيء في إطار من الدراما التي تعيش عصرها القديم، ولكن كلامها وموضوعاتها تبدو قريبة وحميمة، وأحياناً فيما يبدو أحزاب سياسية تبحث عن المساواة والحرية وأدوار للمرأة ــ دينيريز وآريا وسيرسي - التي لا تقل شجاعة ودهاءً عن الرجال.

عائلات «ستارك» و«كاتالين» و«تيرون» و«تايجيري» في تنافسهم وحبهم، وفروسيتهم وجبنهم، هم الذين يتوقف عليهم مستقبل العالم والعرش الحديدي، فإذا ما أهملوا الخير والفروسية فإن الدنيا تكون فريسة الفوضى والخراب.

ومهما يبدو المسلسل الذي صار الأشهر والأكثر كلفة ما بين مسلسلات الصراع السياسي داخل الدول وبينها مثل «فايكنج» و«منزل أوراق اللعب» وكأنه مجرد قصة مثيرة، أو عمل من أعمال الحركة، فإنه أصبح نوعاً من البحث الفني والسينمائي للعالم وما فيه من أحداث وقضايا أعيت البشر من قبل والآن.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات