الأمم المتحدة آخر الوسطاء المحترمين

على مدار تاريخها، لم تمارس هيئة الأمم المتحدة دوراً فاعلاً بقوة في إنشاء كيان سياسي من عدم؛ بناء على روايات تاريخية ملفقة وأسانيد حقوقية متهافتة، مثلما فعلت مع إسرائيل. ومن المساخر أن دولة في هذا العالم، لم تحط من شأن هذه الهيئة ولا تمردت عليها وشقت عصى طاعتها، وضربت بقراراتها ومداخلاتها عرض الحائط، مثلما فعلت إسرائيل.

معظم القوى الدولية التي اعترضت على القرار رقم 181 لعام 1947 بتقسيم فلسطين، تنبأت بفشله في حل الصراع على أرض فلسطين وجوارها، وذلك لافتقاده العدل والإنصاف.

لكن المؤيدين تصوروا أن نجاح القرار يعتمد على ضمانات الدول العظمى واستمرار الأمم المتحدة في رعاية نتائجه عملياً، وعلى وعود الجانب الصهيوني بالتعاون وتنفيذ ما عليه من استحقاقات. غير أنه لم تمر على قيام إسرائيل في العام التالي، إلا سنوات قلائل، حتى ثبت أن ذلك التصور كان وهماً، وصارت إسرائيل تنظر للهيئة التي أنشأتها للمرة الأولى وكأنها طرف غير ذي صلة.

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التعامل هي ديمومة الصراع ونزيف الدم في فلسطين. الخبرة تقول إن الحلول التي اجترحتها الأمم المتحدة، ولاسيما عند البدايات، ليست مثالية بأي حال. ولكنها تظل أفضل الأسوأ، وكلما جال المعنيون العدول بنظرهم، لا يجدون ما هو أكثر منها نجاعة في تحقيق التسوية الفلسطينية.

بعض المؤلم راهناً في هذا السياق هو ارتضاء هذه المنظمة، بكل ما يعنيه مقامها الرفيع، بمكانة مهينة في تحديد مسار القضية الفلسطينية ومصيرها.

يشهد بذلك قبولها بالانخراط كطرف من بين أطراف أخرى فيما يعرف بالرباعية الدولية؛ المعنية بتسوية هذه القضية، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي. هذا في حين كان المنطق ومازال يحتم اعتبارها مرجعية وحكماً وقاضي قضاة، لتحركات هذه اللجنة وسواها من الأطر المشابهة وظيفياً.

قبل أيام، قالت روزماري ديكارلو، نائبة أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية، في جلسة خاصة لمجلس الأمن عن الحال في الشرق الأوسط «مالم يحدث تغيير في نهج الوضع السياسي، فسوف يتفاقم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

إن إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة، مازالت تتآكل بفعل الحقائق على الأرض . وخلصت السيدة الجليلة إلى أن (جهود الأمم المتحدة يجري تقويضها باستمرار».

هذا تشخيص صحيح تماماً للحالة البائسة في فلسطين؛ لكنه يخلو من وضع إصبع المنظمة الأممية في عين الطرف المسؤول عن هذه الوضعية، وكذا من التذكير بوصفة العلاج الجاهزة لدى المنظمة. أين الجديد الفارق في هذه المداخلة الخجولة الحيادية؟

بين يدي المناسبة ذاتها، أعلن مندوب إسرائيل أن «إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، ستقدم خطتها للسلام خلال أسابيع قليلة، نحن ننتظرها وسنتفاوض بشأنها، بعكس الفلسطينيين الذين رفضوها قبل أن يتعرفوا عليها».

لا يستحي ممثل السياسة الإسرائيلية من الترحيب بالحل الأميركي المنفرد؛ والمرفوض بكل لغات العالم، وذلك من على إحدى منصات الأمم المتحدة؛ التي أصدرت أكثر من سبعمئة قرار تحظى بالإجماع الدولي، وبوسعها استئصال كل صغيرة وكبيرة من أسباب الصراع على أرض فلسطين.

الرجل يتحدث بشوق عما يسمى بصفقة القرن، وهي إنتاج إسرائيلي أمريكي مشترك منبوذ سلفاً، من داخل البيت الأممي الكبير صاحب الولاية الشرعية في تسوية المنازعات الدولية. في مشهد كهذا، تبدو الأمم المتحدة «كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول».

عيب كبير أن تصبح الأمم المتحدة أقرب ضيف شرف في غمرة الاجتهادات العليلة للتسوية الفلسطينية. وإذا ما استمر هذا الاتجاه، بفعل التمرد الإسرائيلي ومن ورائه قوة الدفع والحماية الأمريكية، فإن اليوم الذي تستشري فيه عدوى هذه المقاربة في سياقات صراعية أخرى، لن يكون ببعيد.

يقول أحد المعلقين «لو أخذنا بحجة إسرائيل لضم القدس والجولان لأنهما يحويان آثاراً يهودية، فإنه يحق لروما ضم أكثر من ثلث قارات العالم القديم». وعلى المنوال ذاته، يسخر متحدث روسي من ضم أراض فلسطينية وعربية محتلة منذ عام 1967، حفاظاً على الأمن الإسرائيلي إذا كان الحال كذلك، فلماذا يعترضون على الوجود الروسي في القرم ؟!.

الشاهد أن انتهاك حرمة القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ودورها على المسار الفلسطيني، ينذر بالشؤم وسوء العاقبة بالنسبة لكثير من ثوابت العلاقات الدولية، وينحدر بها حثيثاً إلى شرعة البقاء للأقوى وليس للأصلح.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات