المتاحف.. الحارس الأمين لتاريخ دبي

استعداداً للحدث الكبير في العام المقبل إكسبو 2020، وترسيخاً لمكانتها السياحية والثقافية في العالم تعمل دبي جاهدة على استحداث مجموعة متميزة من المتاحف التي سوف تكون الحارس الأمين لتراث وثقافة الأجداد، وتعمل على إبرازها بصورة جميلة ومعاصرة لأبناء ولزوار دبي.

دبي التي تميزت في كل شيء حديث ومعاصر لم تألُ جهداً في سبيل الحفاظ على تراثها القديم المشتق من الصحراء والبحر وطرائق معيشتهما وأدواتهما كالسفن والغوص وتجارة اللؤلؤ والتجارة التي كانت وسيلة التواصل بين الحضارات والثقافات. ولهذا قامت بتحويل منطقة بأسرها إلى منطقة ثقافية تزهو بتراث الماضي وعبق التاريخ. منطقة الشندغة التاريخية سوف تكون هي المنطقة التي سوف تحتضن مجموعة المتاحف المتنوعة التي تعطي للزائر صورة ملونة نابضة بالحياة عن أساليب المعيشة في دبي منذ القدم وحتى قيام الاتحاد. تلك الصورة التي نادراً ما يدركها الزائر وحتى المقيم على أرض هذه الدولة من خلال تجواله اليومي في دبي. فدبي، في ذهنية الكثيرين، هي دبي المعاصرة التي تزهو بألق المستقبل. ولكن لدبي أيضا تاريخ عريق سوف تقوم المتاحف بإبرازه.

فمنذ قيام الاتحاد شهدت دبي توافد أعداد كبيرة من العمالة والمهنيين الذين رفدوا الحياة الاقتصادية في هذه المدينة النابضة بالحياة. البعض عاش ويعيش في دبي منذ عشرات السنين ولكن قلة منهم غاصوا في دقائق الحياة القديمة وتفاصيلها الدقيقة. البعض يعتقد بأن دبي لم تعش زمن الكفاف، ولم تشهد يوماً ظروفاً غير التي تعيشها اليوم. وربما يكون جزء من هذا الاعتقاد صحيحاً لأن دبي حتى في زمن الكفاف استطاعت تجنب تبعات تلك الفترة باختراع وسائل رزق غير اعتيادية وغير تقليدية قادت إلى نهضة دبي وتقدمها.

وربما يتذكرالبعض بأن دبي في فترة الخمسينيات والستينيات كانت تسمى «فينسيا الخليج». فقد كانت تشابه في منظرها البهي مدينة فينيسيا الإيطالية بمراكبها الزاهية التي كانت تختال في الخور ذهاباً وإياباً. فقد كان منظر «العبرة» وهو يشق عباب الخور وينقل الركاب بين ضفتي دبي، ساحراً وله تأثير ليس فقط على الناظر ولكن على الاقتصاد وعلى دخل الإمارة ككل.

ولم تشعر دبي كثيراً، كغيرها من مدن الخليج، بانعكاسات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأنها على الدوام كانت قادرة على النهوض وتطويع الظروف لخدمتها. وكان لتجارها المهرة دور كبير في رفد اقتصاد الإمارة قبل النفط. فقد شهدت دبي ظهور نخبة تجارية اشتهرت عبر الخليج، بأنها من الأمهر والأقدر في الأعمال التجارية. ولم تدخر حكومة دبي من اللجوء لتلك النخبة عند اشتداد الأزمات، فقد كانت دوماً اليد اليمنى للحكومة في مشاريعها الطموحة وخاصة في مجال التمويل. فهناك مشاريع عدة لا تزال إلى اليوم مؤثرة في دبي كان لتجار دبي دور كبير في تمويلها.

معظم المتاحف التي شيدت سوف يتم افتتاحها في العام المقبل لكي تستقبل معنا زوار إكسبو. وحتى لحظة الافتتاح سوف يتم تجهيز تلك المتاحف بما يليق بمكانة دبي وتألقها. فدبي التي تحتضن المستقبل تظل عينها على الماضي تستلهم منه دروساً وعبراً.

ومن المؤكد أن تلك المتاحف سوف تجهز وفق أعلى المعايير العالمية وتقنيات العرض الحديثة المشوقة التي تجعل من زيارة تلك المتاحف زيارة عبر كل مراحل والحقب التي مرت في تاريخ دبي وكانت شاهداً على حضارتها.

إن جميع الدول تحرص على أن تبرز تاريخها وعناصر حضارتها ودبي ليست بمعزل عن تلك الدول. ولهذا فإن تلك المتاحف سوف تكون الواجهة التي من خلالها يغوص الزائر في تاريخ دبي ليتعرف على مفردات تطورها عبر العصور.

استراتيجية دبي الهادفة إلى جعل الإمارة وجهة سياحية ليست فقط ترفيهية ولكن ثقافية هادفة سوف تتحقق بجدارة مع افتتاح تلك الوجهة السياحية المتنوعة. وكل الأمل في أن تنجح تلك المتاحف في تقديم تاريخ دبي كما يراه سكانها الذين عايشوا لحظات الفرح ولحظات الألم معاً.

فالمتاحف هي الوجه الصادق المعبر عن كل مكنونات الحياة وتفاصيلها متى ما كان العرض ناجحاً والمقتنيات حقيقية. إننا لا نريد لمتاحفنا أن تكون تقليداً لحياة لم نعشها ولا مقتنيات لم نكن نمتلكها، بل نريدها تعبيراً صادقاً عن مفردات الحياة التي عاشها الآباء والأجداد. فالمتاحف هي الوجه الآخر لعملة الحياة التي عايشنا كل تفاصيلها حتى قيام الاتحاد.

*جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات