ظهور البغدادي ونهاية داعش

بعد اختفاء عن أعين الإعلام نحو خمس سنوات، ظهر أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي بشكل مفاجئ في فيديو نشره التنظيم عبر منصاته الدعائية والإعلامية، واللافت أن البغدادي لا يزال يلقب نفسه بـ«أمير المؤمنين»! ولكن اللقطات المنشورة تعكس هزيمة التنظيم وتحوله إلى العمل السري رغم محاولات التنظيم كسب ردود أفعال مغايرة لما يعكسه الفيديو.

توقيت نشر الفيديو ليس عشوائياً، فاعتراف البغدادي بأن معركة الباغوز انتهت، تشير بوضوح إلى هزيمة التنظيم الإرهابي في آخر جيوبه في شرق سوريا قبل نحو شهر، وبالتالي فإن الفيديو لا يستهدف سوى مجرد إثبات الوجود ومحاولة رفع معنويات فلول التنظيم في مختلف المناطق.

عودة «داعش» للعمل السري لها وجهان، أولهما هزيمة مشروع التنظيم على أرض سوريا والعراق، ولكن هذه الهزيمة لا تعني نهايته فكرياً، بل تعني بالأساس أنه لجأ إلى الخطة «ب» أي العمل السري شأنه شأن تنظيمات الإرهاب الأخرى، التي تدخل في مرحلة كمون في حالات الملاحقة الأمنية، ولكن هذا الاختفاء لا يعني نهاية خطرها، بل تغير نمط التهديد وانتشاره جغرافياً، وهو ما حدث بالضبط في الاعتداءات الإرهابية الأخيرة التي تبناها التنظيم في سريلانكا وأفغانستان.

تنظيمات الإرهاب بشكل عام تلجأ إلى العمل السري عبر خلايا نائمة أو شبكة الذئاب المنفردة في مناطق مختلفة من العالم، في حالات انهيار التنظيم وتشتته، وهذه المرحلة بالنسبة لداعش ليست أقل خطورة من مرحلة العمل المنظم، التي سادت خلال السنوات القليلة الماضية حين كان يسيطر على جزء كبير من أراضي العراق وسوريا.

يخوض «داعش» الآن ما وصفه البغدادي في الفيديو بمعركة استنزاف طويلة المدى، وهي المرحلة التي هيأ البغدادي لها نفسه شكلياً، حيث ظهر في الفيديو مرتدياً لباس عناصر الميليشيات وليس كما كان يظهر سابقاً في رداء يتناسب مع ما أسبغه على نفسه من وصف «أمير المؤمنين»، كما بدت على هيئته آثار الهروب والتخفي، وإن حاول الظهور بمظهر المتماسك، الذي يتابع أحوال ما يصفه بولايات التنظيم!

يدرك البغدادي أن التنظيم قد تلقى ضربة قاصمة باستسلام آلاف من عناصره أمام قوات سوريا الديمقراطية، وقد حاول تبرير هذه الهزيمة المذلة بالقول «نحن لسنا مأسورين بالنصر وإنما بالجهاد». كما ظهر الارتباك والاضطراب في إعداد الفيديو الأخير، حيث تمت إضافة جزء صوتي إضافي يخلو من مشاهد مصورة، للحديث عن الاعتداءين اللذين تبناهما تنظيم داعش في سريلانكا وأفغانستان، وهذا أمر مغاير لما كان عليه الإخراج الفني المميز لدعايات التنظيم خلال سنوات سابقة، ما يعكس تشتتاً شمل عناصره وانحسار الأدوات في مجرد مخبأ وكاميرا يستخدمها في تسجيل لقطات يعتقد أنها تبقي التنظيم على قيد الحياة!

ولا شك في أن تحول مظهر البغدادي من قائد سياسي لدولة مزعومة إلى زعيم ميليشيا إرهابية يشير إلى اقتراب تفكك التنظيم وتشرذمه، لأسباب واعتبارات عدة، أولها أن التنظيم طالما اعتمد في جذب المؤيدين والأتباع على مغريات مادية ومعنوية وروج كثيراً لفكرة الدولة المزعومة وداعب أحلام المغرر بهم باستخدام الأموال التي كان يحصل عليها من تهريب النفط وبيعه وأموال «الجباية» التي كان يفرضها على سكان المناطق التي يسيطر عليها، فضلاً عن التمويل الذي كان يحصل عليه من بعض الجهات الداعمة للإرهاب، وبالتالي فإن انحسار جزء كبير من هذه المداخيل يعني بالتبعية تراجع أعداد أتباعه، والأمر الآخر أن انهيار أسطورة الدولة التي داعب بها خيال المغرر بهم من أتباعه يعني نهاية التنظيم وسقوط الفكرة.

والأمر الثالث أن التجارب السابقة في تطور الظاهرة الإرهابية تشير إلى تنظيمات الإرهاب تعيد إنتاج نفسها بعد انهيار كل تنظيم وهزيمته، إذ سرعان ما يخرج من عباءة هذا التنظيم المهزوم تنظيمات أخرى ربما تكون أشد شراسة وأكثر عنفاً وميلاً لسفك الدماء، ولكن المفروغ منه أن هناك حالة استقطاب حادة تحدث بعد كل هزيمة سرعان ما تفضي إلى ظهور تنظيمات أخرى على أنقاض التنظيم المهزوم الذي ربما يبقى كونه مظلة لا نفوذ حقيقياً لها، أو يتحول إلى سراديب التاريخ!

ورغم أن داعش يعيش مرحلة انتقالية من الإرهاب المعلن إلى الإرهاب السري، فإن هذه المرحلة هي الأكثر خطورة في مسيرة هذه الظاهرة الإجرامية لأن التنظيم سيحاول خلالها استخدام أقصى مستويات العنف وسفك الدماء من أجل الإبقاء على صورته النمطية في عيون الأتباع والمؤيدين لأفكاره وإثبات قدرته على الرد على هزيمته المخزية، وبالتالي فإن هذه المرحلة تتطلب تكثيف التعاون الدولي من أجل ملاحقة بقايا التنظيم في مختلف دول العالم، ومنع انتقالهم من سوريا إلى مناطق ودول أخرى.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات