من أين يستمد القائد قوته؟

لم يتفق الباحثون في القيادة على شيء مثل اتفاقهم على أنه ليس هناك تعريف واحد للقيادة. فعندما تعمقت في أشهر الأبحاث في مجال القيادة، لكونه موضوع أطروحتي في الدكتوراه، ازدادت حيرتي حينما استعرضت كل نظريات القيادة لأجد أن السمة الأبرز في شخصية القائد تكمن في «التأثير» influence.

وهذه الكلمة تكاد تكون الأكثر وروداً في معظم التعريفات. فكيف يمكن أن نصف فرداً بأنه قائد وهو لا يملك الحد الأدنى من مقومات التأثير فيمن حوله.

وهذا يجرنا لمسألة في غاية الأهمية وهي أن القائد المؤثر لا يستمد قوته بالضرورة من قدراته الخطابية، وإن كانت مهمة. والسبب أن أشهر الشركات وأكثرها ربحية يقودها أشخاص لم يشتهروا بحسن البلاغة، مثل ستيف جوبز صانع أيقونة شركة أبل العالمية، ورئيس شركة غوغل أشهر محرك بحث وأعلى قيمة في التاريخ إذ ناهزت 500 مليار دولار.

والأمر نفسه ينطبق على رؤساء دول. فأنا متأكد بأن في ذهن كل منا زعيم دولي لا يتحلى بفنون الخطابة لكنه مؤثر ومنتج وضابط لإيقاع الحركة في بلاده. صحيح أننا نؤثر في الآخرين بفن التحدث، لكن ذلك فرع من فروع التأثير، فهناك من يؤثر في الناس عبر بساطته، أو عزيمته، أو إصراره، أو تشجيعه، أو قدوته الحسنة، والأهم رؤيته الثاقبة وشخصيته الملهمة.

مشكلتنا في العالم العربي اعتقادنا بأن إخفاقنا في التحدث أمام الناس، هو أول سقوط في اختبار القيادة، وننسى نحن «الأمة الشفهية» بأن للتأثير صوراً عديدة إحداها المقدرة على التحدث أمام الملأ.

أنا شخصياً يلهمني القائد القدوة، الهادئ، والمنتج وصاحب الرؤية الثاقبة، وإن لم يكن له نصيب من عشق التحدث أمام عدسات الكاميرا. هؤلاء تجدهم مؤثرين أيضاً فيمن حولهم. وهذا أمر آخر مهم جداً، فليست القيادة بالضرورة المقدرة على التأثير في شعب ما، فالتأثير قد يكون في شخصين أو فريق أو إدارة أو قطاع أو وزارة. هنا يتحقق عنصر التأثير بالمحيطين بنا.

وعلى صعيد آخر، يعتقد البعض بأن القائد يستمد قوته من منصبه. هذا صحيح إلى حد ما، لأن الواقع أن القائد «يستخدم» منصبه لتحقيق رؤيته وأهدافه. والدليل لو ترك القائد المنصب سيبقى مؤثراً في المحيطين به فور ما ينغمس في عمل جديد ويشمر عن ساعديه.

كما يستند القائد في قوته على خبرته. فكلما مر المرء بتحديات أكثر كان إقبال الراغبين في العمل معه أكبر. وكما يقول جون ماكسويل إن «أتباع القائد يميلون أكثر نحو منحه فرصة لخوض مزيد من التجارب معهم» باعتباره لديه خبرة في هذا المجال. غير أن الخبرة تعني مصداقية.

ولا يعقل أن يؤثر القائد في الآخرين وهو لديه سجل حافل بالفشل، ولم تزاحم قصة نجاح واحدة معتبرة تاريخ هذا الرجل أو تلك المرأة. من هناك تأتي أهمية «السجل الحافل» track record الذي يعكس تحديات تستحق الاحترام.

ويستمد القادة قوتهم من «مقدرتهم» على إدارة دفة السفينة. فعندما يكون المرء أحد أقرباء رئيس لمجلس الإدارة أو الوزير، فهذا لا يعني بالضرورة بأن ابنه سيكون البديل الناجح. وقد تبين مثلاً أن بعض الشركات العائلية تكون عرضة للتفكك بعد الجيل الثالث، كما سمعت وقرأت في مؤتمر علمي.

كما لا يمكن أن يغفل المرء «قوة العلاقات» التي يستمد منها القائد قوته في مهمته. ذلك أن القيادة قد تكون مهمة مؤقتة وليس وظيفة دائماً بالضرورة، فقد ينجح مسؤول في مشروعه لأنه أحسن توظيف علاقاته الوطيدة في بلوغ مراد فريقه أو مؤسسته أو بلاده.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات